
تصوير محمد معروف
تحقيقات:عمال مصنع الملكة
تحقيقات
عمال مصنع الملكة ينتجون الثروة ويجنون الفصل والمرض؟؟!!
فاطمة رمضان
"عندما ندفع دمائنا وعرقنا فى العمل، ونجنى الفقر والمرض والتشرد، فمن المسئول؟" هذا التساؤل يطرحه عمال مصنع الملكة لصناعة الأدوات الصحية بالفيوم، الذين يعملون فى ظل ظروف أقل ما يقال عنها أنها غير آدمية. ذهبت "أوراق إشتراكية" إلى العمال لتستمع إلى همومهم وشكواهم.
مصنع الملكة لصناعة الأدوات الصحية، وبجواره مصنع الفراعنة لصناعة السيراميك، بمحافظة الفيوم بهما آلاف العمال من محافظة الفيوم، والمحافظات المجاورة. وتشتهر محافظة الفيوم بارتفاع نسبة الفقر بها وكذلك نسبة البطالة، مما يضطر أبنائها للنزوح للبحث عن عمل في أي مكان وبأي شروط. لذا فليس من المستغرب أن نجد أكثر من 90% من عمال المصنعين من العمالة المؤهلة، ونجد بعض العاملين بالصب متعلمين تعليم عال.
لهذه الظروف التي يعيش فيها كل شباب وعمال مصر، يقبل عمال مصنعي الملكة والفراعنة – بل يبحثون عن الوسائط للعمل فيهما – العمل بشروط صاحب المصنع الذي تحرم عليهم حقوقهم وتعطى كل الحقوق لصاحب المصنع. يعملون في ظروف عمل تعرضهم للأمراض وللموت تحت سمع وبصر الأجهزة الحكومية، التي لم يسمع العاملين بالمصنعين عنها. هذا وقد اعتبر صاحب المصنع أن ما يأخذه العاملين من حوافز وإضافي نتيجة تفانيهم في العمل هو كثير مقارنة بأماكن العمل الأخرى، فعمل دائماً على تخفيضها بشتى الطرق، وذلك رغم أنه يكسب من وراء كل عامل ما بين 1000-3000 جنيه يومياً!
شروط العمل
من يعملون بالمصنع يعملون بعقود عمل سنوية، غير محدد بها العمل الذي يقوم به العامل، ويحكى العاملين بأن أحدهم كان يعمل رئيس قسم، وحدثت خلافات بينه وبين صاحب المصنع، فصل على أثرها من المصنع، ولكنه رفع قضية وكسبها، وفى اليوم الذي أتى لتنفيذ الحكم، وجدهم مجهزين له جردل ومساحة علشان يمسح، وعندما اعترض قالوا له "روح أقرأ العقد أنت عامل في المصنع من حق صاحب المصنع إنه يشغلك في أي مكان هوه شايفة، أنت مش موظف حكومة متعين بشهادتك"!
وذكر العمال أن صاحب المصنع عندما لا يستطيع التخلص من أحدهم، ينتظر حتى تنتهي مدة تعاقده ولا يجدد له، وأن المحامين يكتبون له الصيغ التي لا تضع عليه أي شروط تجاه العاملين. يعمل 30% من عمالة المصنع باليومية، ولا تتعدى مرتباتهم 200 جنيه شهرياً، وليس له حق استعمال الأتوبيسات التي تنقل العمال المثبتين للمراكز، وليس لهم أي تأمين صحي أو اجتماعي، وليس على صاحب المصنع أي التزامات تجاههم، رغم أن عامل اليومية يطحن في العمل من أجل التثبيت الذي لا يحدث حتى بعد سنتين في كثير من الأحيان.
بيئة العمل
ساعات العمل للعاملين بالمصنع هى 9 ساعات يومياً. ويتعرض عمال المصنع لبيئة عمل تؤدي للإصابة بالأمراض، وفى بعض الأحيان لفقدان حياتهم مثلما حدث في حريق المصنع سنة 2002. فعامل الصب يعمل طوال فترة عمله تحت مراوح تصب عليه هواءً ساخناً درجة حرارته 60 درجة مئوية، وعامل الكنترول يجلس بكابينة ويمسك بخرطوم الهواء مع الجاز لاكتشاف عيوب القطع قبل الدخول في مراحل التصنيع التالية، يستنشق طوال ساعات عمله التراب والجاز. والعاملون بقسم الطحن مصابون بالربو، وقد كان في السابق يصرف لهم لبن، أما الآن فقد توقف ذلك، كما أن أغلب العاملين مصابين بالغضروف، لأنهم يحملون القطع التي يصل وزنها إلى 40 كيلو جراما. كما أن هناك الكثير من العاملين المصابين بأمراض صدرية، وذلك لعدم توفر وسائل الوقاية، حيث أن المصنع لا يوفر لهم كمامات. وكان أحد عمال التجليز قد أصيب بحساسية بالصدر تستلزم علاج كل ثلاثة أيام ثمنه 50 جنيها، وعندما ذهب إلى التأمين الصحي رفضوا أن يعطوه إجازة ليستريح رغم أنهم يشخصون أن حالته الصحية تحتاج لاحتجازه بالمستشفى. ولكنهم قالوا له انتظر شهرين حتى يخلو سرير. كما أنه لديه إصابة أخرى تمنعه من تناول أي مواد صلبه لذلك فهو يعيش منذ أكثر من سنة ونصف على الزبادي فقط، لأنه الوحيد الذي يستطيع ابتلاعه. وكل ما يستطيعه زملائه هو محاولة جمع مبلغ من المال لمساعدته في ثمن الدواء.
ويتحدث العاملون عن الحريق الذي حدث بالمصنع سنة 2002
"حدث نتيجة تسرب الغاز من عربة شركة الغاز، حتى التقط شظية بالمصنع الثاني المجاور (الفراعنة)، وقالوا بأنه حتى حديد المواتير تآكل من الحريق، وأنه وقتها تحدثت الجرائد عن أن عدد القتلى حوالي 32 عامل، وأن أغلب القتلى كانوا في مصنع الفراعنة لأن الخطوط به ضيقة، ومن لم يمت من النار مات نتيجة التخبط بين الخطوط، وأن هناك اثنين من العاملين اللذين توفوا جمعوا بقاياهم في أكياس، وأن صاحب المصنع أسرع وأعطى لأهالي كل عامل توفى 3000 جنيه، ولكنه خصم من عمال المصنعين عشرة جنيهات من كل عامل شهرياً لمدة ثلاثة شهور – أي أنه جمع من مصنع الفراعنة وحده، والذي يبلغ عدد عماله ثلاثة آلاف عامل، تسعون ألف جنيه، أي ما يعادل جملة ما دفعه للعاملين المتوفين.
هذا وقد اعتبر صاحب المصنع أن الـ 3000 جنيه هي كل مستحقات من ماتوا حرقاً أثناء عملهم بمصنعه، ورفض إعطائهم أي تعويضات أخرى. وذلك رغم أنه أخذ أكثر من أربعة أضعاف ما خسره لأنه بالإضافة إلى الخسائر في الخامات والماكينات نتيجة الحريق، حمل شركة الغاز تعويض إيقافه عن العمل لمدة 40 يوماً وذلك رغم وجود مخزون لديه غطاه هذه الفترة، بالإضافة إلى مساعدة أصحاب المصانع الأخرى له.
الحوافز والخصومات
يتحدث العمال عن أن المرتبات في السابق كانت تتراوح بين 700 ــ 1000 جنيه. لكن المرتبات الآن لا تتعدى 500 جنيه، والمرتب الأساسي للمثبتين هو 210 جنيه تخصم منهم التأمينات. كما أنه من الممكن أن يدفع العمال تأميناتهم طوال العام ثم يكتشفون في نهاية العام أنهم غير مؤمن عليهم.
المعدل اليومي لعامل الصب 20 قطعة، وعندما ينتج العامل أكثر من ذلك يحسب له القطعة بجنيه أو نصف جنيه كحافز. في البداية كان حافز العامل يصل إلى 500-700 جنيه، واعتبرته إدارة المصنع مرتفعا، لذا أعادت ورق الحسابات وطلبت تخفيض الحافز عن طريق نسبة الفاقد، والتي تحسب على العامل إذا كانت القطعة بها أي شروخ أو عيوب، حتى لو كان العامل ليس هو المتسبب فى هذا العيب، وذلك رغم أن القطعة تدخل لتطحن وتصب مرة أخرى، وتسائل بعض العاملين كيف يأتى في الحسابات عشرين قرشاً والقطع تحسب إما بجنيه أو خمسين قرشاً.
وهناك طريقة أخرى لتخفيض الحافز. كان يحسب للعاملين سابقاً الإضافي حتى 7 أيام، وذلك لأن العمال ليس لهم في الشهر سوى يومين فقط إجازة ، ومن يأخذ أكثر منهما يخصم منه الحافز حتى لو كان يوم جمعة أو إجازة. الآن الإضافي 3 أيام فقط والباقي يرحل، هذا رغم أنه ليس من حق العامل أي إجازة، ولا يحق له في حالة حدوث أي ظرف الغياب بدون إذن مسبق، ومن الممكن أن يطبق العامل إذا زميله لم يأتى. وقد كانت قيمة الإضافي سابقاً 140 جنيه، وخفضت الآن إلى 54 جنيه فقط.
في البداية كان العمال يستطيعون معرفة حساباتهم عن طريق النظم، وحدث في أحدى المرات أن أحد العمال كان يعرف حافزه، وعند القبض أكتشف أنه أقل من حقه. من وقتها مُنع أن يعرف أي من العمال معلومات عن حوافزهم عن طرق الكنترول، ووُضع نظام يسمح له في حالة حدوث ذلك أن يعرف من الذي قال للعامل حسابه لمعاقبته ، ورغم كل هذا، فإنه بعد تقفيل الحساب يطلع مدير المصنع، ويطلب تنزيل الحوافز، كما أنهم يوزعون نسبة العجز على كل العاملين.
هذا وتحاول إدارة المصنع تقليل التكلفة بشتى الطرق، فنظام تسجيل الشغل على الورق، أصبح يسجل بالقلم الرصاص حتى يتسنى مسحه واستخدام الورق مرة أخرى، وبهذه الطريقة تم توفير 100 ألف جنيه شهرياً، وعملية المسح هذه يقوم بها فريق النظم بالمنزل بعد مواعيد العمل الرسمية. هذا ويستعين صاحب المصنع بمديرين ورؤساء أقسام يقومون باستغلال العمال حتى يثبتوا لصاحب العمل حرصهم عليه وعلى ماله. فقد أشار رئيس قسم الإنتاج بأن العمالة زائدة، لذا بدأ في تصفيه العمالة بشكل عشوائي، بأن كل من جاء موعد تجديد عقده يُنهى له، وقد كان عدد المفصولين حوالي 10% من كل قسم، وقد تم تحميل عملهم لبقية العمال.
احتياطات صاحب العمل
إن صاحب العمل لا ينتج بمقدار ما يحتاجه السوق، بل إنه ينتج للسوق وللتخزين، وهو بهذا الشكل يحاول أن يتفادى خسائر أي إيقاف، سواء كان إضراب عمالي أو غيره. كما أنه يأخذ من البنك قروض على هذا المخزون، وهذه القروض يدخلها في مشاريع أخرى، حيث أنه يقوم بعمل توسعات بسيطة كل فترة حتى لا يدفع أي ضرائب.
من ينتج الثروة ومن يستولى عليها؟
إن حسبة بسيطة لتكلفة الإنتاج مقارنة بأجور العمال وأرباح صاحب المصنع، تكشف لنا من ينتج الثروة ومن يستولى عليها.
العامل الذى يصب البولات ينتج 20-25 قطعة يومياً، أما عامل صب الأحواض ينتج 30-35 قطعة يومياً، فى حين ينتج عامل صب الخزان والعمود يومياً 45 قطعة، أما عامل التجليز ينتج يومياً 70 قطعة.
تكلفة العمالة للقطعة = 1 جنيه صب + نصف جنيه كنترول + 40 قرش رش(تجليز) + نصف جنيه فرن = 240 قرش. هذا بالإضافة إلى فرز ومخزن 1 جنيه + 20 قرش للطينة + تجليز لا يتعدى 5 جنيه، وهو ما يعني أن أجمالي التكلفة للقطعة لا يتعدى 8 جنيهات (أكبر قطعة). يعنى ذلك أن تكلفة الطاقم لا تتعدى 24 جنيها، وثمن بيع هذا الطاقم بالجملة 360 جنيها، إذاً صافى مكاسب صاحب المصنع في الطاقم الواحد تتعدى 330 جنيه.
أما الطاقم الذي به رسومات نفس المراحل يضاف إليها مرحلة الرسم، تباع هذه الأطقم بـ 1600 جنيه، وصافى مكاسب صاحب المصنع فى الطاقم الواحد تتعدى 1200 جنيه.
بحسبة بسيطة نستطيع أن نرى أن ثلاثة عمال ينتجون يومياً عشرة أطقم عادية، وأن أربعة من العاملين ينتجون يومياً عشرة أطقم من المرسوم عليها. أي أن متوسط مكاسب صاحب المصنع من كل عامل يومياً تتراوح بين 1000-3000 جنيه. فى حين يتقاضى العامل بين 7-20 جنيه يومياً، ببساطة العامل يأخذ أقل من 1 إلى 150 مما ينتج من فائض القيمة.
وهكذا يدرك العاملون بالمصنع أنهم منتجو الثروة وليس صاحب العمل، وأنه إن كان هناك فضل لأحد الطرفين على الآخر فأن العمال هم أصحاب الفضل على صاحب العمل، الذي فى المقابل يفصلهم ويصيبهم بالمرض، ثم يلقي بهم بلا عائد.

