
تصوير محمد معروف
حزب الله وحرب إسرائيل الخاسرة
( )حزب الله وحرب إسرائيل الخاسرة
كريس هارمان
ترجمة: نور منصور
(ترجمة المقال المنشور في مجلة الاشتراكية الأممية عدد 112)
Hizbollah and the war Israel lost
للمرة الأولى، فشلت قوات الدفاع الإسرائيلية في الانتصار في حرب خارج حدودها
أوليفر روي، فاينانشيالتايمز
إن ما هو جديد تماما في هذه الحملة، والتي ما لبث أن أطلق عليها العرب الحرب العربية-الإسرائيلية السادسة، هو نتائجها. وبالنسبة لبعض العرب – وبعض الإسرائيليين بالفعل – فإن التبعات الاستراتيجية والسيكولوجية والسياسية لهذه الحرب ربما تجعلها أهم الحروب منذ "حرب الاستقلال" في عام 1948. فقد استطاعت عصبة من الجنود غير النظاميين صد واحد من أقوى الجيوش في العالم لمدة ما يزيد عن شهر، وألحقت خسائر به
دافيد هيرست، مراسل الجارديان المخضرم في الشرق الأوسط
وبينما تحدثت السلطات العسكرية الإسرائيلية عن قيام الجنود الإسرائليين بعمليات تطهير و"مسح" لمنطقة جنوب نهر الليطاني، فقد بدا بالنسبة لمعظم اللبنانيين كما لو أن حزب الله هو الذي قام بعملية "المسح". وبحلول ليلة الحرب الأخيرة، لم تكن القوات الإسرائيلية قادرة على الوصول إلى جثث طاقم مروحية إسرائيلية – أسقطت يوم السبت ليلا – تحطمت على الوادي اللبناني
روبرت فيسك، مراسل الإندبندنت في اليوم الأخير للحرب
لا يستطيع حزب الله أن يلحق بإسرائيل هزيمة عسكرية كبيرة، حيث أن ذلك مستبعدا بالنظر إلى عدم التكافؤ المطلق في موازين القوى بين الجانبين، كما كان مستحيلا بالنسبة للمقاومة الفيتنامية أن تلحق بالولايات المتحدة هزيمة عسكرية ساحقة. وأيضا لم تستطع إسرائيل هزيمة حزب الله. وبهذا المعنى، فإن حزب الله هو بلا شك الذي انتصر سياسيا، وإسرائيل هي المهزومة في حرب الـ33 يوماً
جلبير أشقر، ماركسي لبناني يعيش في فرنسا
ظل حزب الله كما هو. فلم يتم تدميره أو نزع سلاحه أو حتى إزاحته من المكان الذي كان موجوداً فيه. وقد أثبت مقاتلو حزب الله أنفسهم في المعارك، مما حاز إعجاب الجنود الإسرائيليين. واليوم في إسرائيل هناك مناخ عام من خيبة الأمل واليأس
يوري أفنيري، كاتب إسرائيلي
وصلت كافة الأطراف إلى نفس النتيجة، التي وصل إليها هؤلاء الكتاب والصحفيون، بعد حرب إسرائيل التي امتدت 33 يوماً ضد حزب الله ولبنان. فما بدأ كهجوم إسرائيلي مخطط له منذ زمن بهدف تدمير حزب الله، انتهى إلى إهانة إسرائيل.
لم تكن تلك النتيجة بمثابة صدمة للجيش الإسرائيلي فحسب، ولكنها أيضا كانت لطمة مدمرة لإدارة بوش وشريكه الأدنى تونيبلير في مساعيهما لإنقاذ الهيمنة الأمريكية من هزيمتها في المغامرة العراقية. فعلى الأقل، أعطت الإدارة الأمريكية للجيش الإسرائيلي تصريحا ضمنياً، بل ربما شاركت في التخطيط للهجوم الضاري في الثاني عشر من يوليوكما قال الصحفي الأمريكي سيمورهيرش. وقد كان الهدف بسيطاً. فقد رغب الإسرائيليون في توجيه ضرية مدمرة إلى النفوذ الإيراني في لبنان – وحبذا لو تم ضرب النفوذ الإيراني على شيعة العراق – كجزء من الهجوم على إيران نفسها.
وكما طرح تشارلز كروثامر في صحيفة واشنطن بوست: "كانت هزيمة حزب الله سوف تمثل هزيمة ضخمة بالنسبة لإيران على الصعيدين النفسي والاستراتيجي. فقد كانت إيران ستخسر موطئ قدم في لبنان، وستخسر كذلك الوسائل الأساسية لهز استقرار منطقة الشرق الأوسط وإقحام نفسها في قلب المنطقة. وسوف يكون من الواضح أنها بالغت في أفعالها كثيراً في مساعيها لأن تجعل من نفسها قوة إقليمية عظمى."
وكان افتراض الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية أن النصر سيكون سهلاً. وقد أوضح الصحفي المصري هاني شكر الله كيف كانت الحكومتان تتصوران المسألة: "بدا أنه حان أوان قطف رأس حزب الله. فمنذ عام، كان قطاعاً كبيرا من الشعب اللبناني قد ثار ضد سيطرته العسكرية والسياسية في البلاد.. وقد وجدت واشنطن في باريس، ممثلة أوروبا القديمة سابقا، حليفاً غير مألوف يرغب في تحقيق نفس الهدف.. وكان لدى النظم العربية أسبابها الخاصة التي تجعلها راغبة في زوال حزب الله.. فهي كانت تغمغم متذمرة من الهلال الشيعي الذي يقع في وسط المنطقة.. وإزاء الثقة الكبيرة التي كان يوليها الأمريكيون والإسرائيليون لإمكانية نجاح هذه الاستراتيجية، فقد أعطوها أسبوعاً لكي يتم تنفيذها."
غير أن الأمور سارت بشكل مختلف تماما. "مر الأسبوع الأول، ثم الثاني والثالث، دون أن ينكسر لبنان.. وبعد 17 يوماً من بداية الهجوم الإسرائيلي على لبنان، كانت إسرائيل تسحب لواء جولاني من بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان التي كانوا قد زعموا قبل أسبوع أنهم استطاعوا السيطرة عليها."
ما كان متصوراً أن يصبح تقدماً سياسياً وعسكرياً لإسرائيل والولايات المتحدة انقلب إلى عكس ذلك: "كانت كل الأطراف تغير من لهجتها. فالإسرائيليون، الذين تحدثوا في البداية عن تحطيم حزب الله، أصبحوا يتحدثون اليوم عن هدف وضع صواريخ حزب الله على بعد مسافة لا تطال المدن الإسرائيلية. وتوجهت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزارايس – التي أخرجت لسانها للرأي العام العالمي عبر استمرار الرفض الأمريكي لمطالب وقف إطلاق النار – إلى المنطقة للتحدث عما أسمته التضحيات الكبيرة التي ينبغي على الطرفين تقديمها. والأوروبيون، الذين كانوا سعداء بالنظر إلى الجهة الأخرى، بينما كانوا يتمتمون حول ما يسمى رد الفعل غير المتكافئ.. أصبحوا الآن راغبين في إدانة القسوة الإسرائيلية وذبح المدنيين.. والأصدقاء العرب، باتوا في أزمة ثانية. فإزاء الغضب المكثف من جانب الشعوب، أصبحوا الآن يتكالبون الواحد تلو الآخر على البحث عن خطاب حماسي متأجج يعبر عن إدانتهم لإسرائيل."
ربما لا يمكن أن يكون هناك تناقضاً أكبر من ذلك القائم بين الحرب الأخيرة والحروب العربية الإسرائيلية السابقة. فقد شهدت هذه الحروب انتصارات سريعة جدا للجيوش الإسرائيلية، بينما كانت الجيوش العربية تتوسل من أجل السلام على الفور. وكانت حرب عام 1967 أفضل تعبير عن هذا الوضع، حيث استطاعت القوات الإسرائيلية تحطيم ثلاثة جيوش عربية خلال ستة أيام، والسيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان (وهي المناطق التي لازالت تسيطر عليها منذ 39 عاماً) وشبه جزيرة سيناء (التي أعيدت إلى مصر عقب معاهدة السلام مع إسرائيل).
كانت هزيمة عام 1967 بالنسبة لجيل كامل من القوميين العرب بمثابة الموت لمشروعهم الرامي إلى تحقيق الاستقلال في مواجهة الإمبريالية وتحرير فلسطين. والآن، فإن جيشاً عربياً هو الذي انتصر. ويمكن أن تكون نتيجة ذلك هائلة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ككل.
ما وراء انتصار حزب الله
كان هناك سببين أساسيين للانتصار الإسرائيلي السهل في الحروب السابقة، بجانب التفوق العام للقوات الإسرائيلية (بفعل المساعدات الأمريكية الضخمة منذ بداية الخمسينيات):
السبب الأول أن جنود الجيش الإسرائيلي كانوا أكثر ولاءً من أعدائهم العرب. فقد استولوا على الأرض المملوكة لشعب آخر، وكانوا مقتنعين أنه ليس أمامهم خيار سوى القتال للاحتفاظ بهذه الأرض. ولهذا الحد كانوا يتمتعون بصفات مواطنين، أو جيش شعبي، بالرغم من وضعهم المتميز في مقابل وضع العرب. وعلى العكس من ذلك، فإن جيوش الدول العربية كانت تتألف من جماعتين ليست لديهم مصلحة كبيرة في القتال بحرية، كما أشار توني كليف وقت حرب 1967. فقد كانت فئة الضباط ترغب في الحفاظ على وضعها الاجتماعي المتميز في بلادها أكثر من تقديم تضحيات لأجل الفلسطينيين. ولم يكن متوقعاً من المجندين الفلاحين أن يقاتلوا حتى الموت دفاعاً عن حق الفلسطينيين في الأرض في الوقت الذي لا يتمتعون هم أنفسهم بهذا الحق في بلادهم.
أما السبب الثاني فكان أن الجيش الإسرائيلي، المكون أساساً من المتعلمين الذين استوطنوا الأرض، أكثر مهارة في استخدام الأسلحة الحديثة، من الجيوش العربية التي تتكون أساساُ من المجندين الفلاحين ذوي التعليم المتواضع.
غير أن الأمور كانت مختلفة على الجانبين في حرب هذا الصيف. فحزب الله لم يجري تشيكله بواسطة حكومة قائمة، ولم يمثل ضباطه فئة متميزة تُتهم في المقام الأول بتعزيز وضعها الاجتماعي. على العكس، تم تشكيل حزب الله من أسفل، بواسطة إناس يرغبون في القيام برد فعل على خبرات القهر الذي تعرضوا له من قبل مجموعات أخرى في المجتمع اللبناني، وعلى الاحتلال العسكري من جانب القوات الإسرائيلية في 1982 وما بعدها. لقد انصهر في نضالات إناس يدركون أنهم يقاتلون من أجل الاحتفاظ بما لديهم، حتى لو كان ما لديهم قليلاً في بعض الحالات.
وفي نفس الوقت، فإن التقدم البطيء للتعليم خلال العقود السابقة كان يعني أن الجامعات العربية تخرج آلافا من الأفراد كل عام، مزودين بمهارات تقنية تمكنهم من التعامل مع الأسلحة المعقدة. وكما يشير كتاب ألفه عضو في حزب الله: "مع الوجود المتصاعد لأعضاء متعلمين ومثقفين، يصبح في الإمكان الاستفادة من الحاسبات الآلية الحديثة، ووسائل الاتصال، وتقنيات هندسية عديدة."
وقد مكّن ذلك حزب الله من دمج ميليشيات لديها اللامركزية المرنة، مع الكفاءة العسكرية المحلية القادرة على استخدام سلاح مثل صاروخ ج-802 نور، المضاد للسفن الحربية، والموجه بواسطة الردار (وهو تطوير إيراني لصاروخ "سيلك وورم" ج-802 الصيني) لضرب بارجة إسرائيلية في 14 يوليو.
وبينما انبثقت أخيراً قوة عربية تتمتع بهذه السمات، فقد فقد الجيش الإسرائيلي بعضاً من عوامل القوة التي كان يحظى بها في الماضي. فمجتمع المستوطنين الأوائل، الذي كان ملتزماً بخلق مجتمع جديد في أرض مملوكة لشعب آخر، قد اختفى ليحل محله مجتمع غالبيته من الجيلين الثاني والثالث الذين لم يختبروا على مدى أربعة عقود أي شعور بالتهديد إزاء الرفاهية التي يعيشون في ظلها. فقد جاء المستوطنون الجدد (مثل المليون روسي الذين توجد شكوك حول إدعاءات الكثير منهم بأنهم يهود) للاستمتاع بمزايا هذا المجتمع المستقر، لا للقتال من أجل بنائه. وقد تم تجنيدهم بهدف المشاركة في احتلال الضفة الغربية، لكن ذلك كان يعني قصف المدنيين من نقاط محصنة آمنة ودبابات مسلحة بكثافة، لا بهدف المشاركة في قتال حقيقي.
ويطرح الوزير الإسرائيلي السابق يوسيساريد أن: "قوات الدفاع الإسرائيلية لم تكن مستعدة جيداً لتلك الحرب الجديدة في لبنان.. وبدلا من أن يجري توظيف وإعداد قوات الدفاع الإسرائيلية بصفتها جيشاً، فقد كانت تنتشر وتعمل كما لو كانت حامية أجنبية تشبه قوات الشرطة.. قيل لصغار الجنود والضباط خلال سنوات الانتفاضة أنهم كانوا يخوضون حرباً.. لكن أي تشابه بين القتال في تلك الأراضي وبين الحرب يبدو مبهماً على أفضل تقدير.. محاولات إخافة إرهابيين مطلوبين عبر حصار منزل– هذه ليست حرباً، الاغتيالات المخططة– هذه ليست حرباً، حتى محاصرة مقر ياسر عرفات في رام الله لم يكن حملة عسكرية يمكن أن تشير إليها الكتب. تقريبا كل ما حدث في الأراضي المحتلة منذ اليوم الذي احتلتها فيه قوات الدفاع الإسرائيلية، كان شكلاً من أشكال الحرب الفاخرة."
كانت نتيجة ذلك أنه عقب الفشل في إخضاع حزب الله عبر إثارة الترويع باستخدام القصف الجوي للأهداف المدنية، توجهت القوات الإسرائيلية مصحوبة بالدبابات إلى داخل الأراضي اللبنانية – ووجد الجنود الإسرائيليون أنفسهم أهدافاً لمدافع حزب الله المضادة للدبابات. وبينما عملت إسرائيل في أيام الحرب الأولى مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لتجنب صدور قرار من الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار مهما كان الثمن، فقد انتهى الأمر بها عقب مرور شهر إلى التلهف للخلاص عبر الاتفاق الفرنسي-الأمريكي للدفع من أجل صدور القرار 1701، الذي يعد بنشر قوة دولية لمحاولة القيام بما فشلت إسرائيل في القيام به – أي وقف أنشطة حزب الله بين الحدود الإسرائيلية ونهر الليطاني.
أسباب نجاح حزب الله
يشرح تقييم أحد أعضاء حزب الله لنجاحه الساحق مقارنة بالمقاومة العربية السابقة لإسرائيل ارتكازاً على عاملين أساسيين: "إيمان المقاتلين بالقضية، والإصرار داخل حزب الله على عدم الوقوع في مصيدة الخضوع لسياسات الأنظمة الحاكمة."
لكن المسألة ليست فقط أن الجيوش العربية فشلت في مقاومة العدوان الإسرائيلي في السابق لأنها تدار بواسطة الحكومات، بل أيضا أن الحكومات وجيوشها عكست الطبيعة الطبقية لهذه المجتمعات. فالجيوش التي حاربت وفشلت في 1948 كانت تنتمي لأنظمة تمثل مصالح طبقات ملاك الأرض الإقطاعيين القدامى، وكانت مفروضة من جانب القوى الاستعمارية الغربية – وكان أكثر الجيوش كفاءة، وهو الجيش الأردني، يتلقى الأوامر من الضباط البريطانيين. وترتب على المصالح المتعارضة للطبقات الحاكمة المختلفة أنه لم يكن هناك تنسيق استراتيجي أو عسكري، ومن ثم كانت الحرب بمثابة تكالب بين هذه الدول للاستيلاء على أراض فلسطينية لأنفسهم بدعوى المعركة مع الإسرائيليين.
بحلول حرب 1967 كانت الحركات الثورية والانقلابات العسكرية قد جاءت بنظم بديلة كانت منتمية قولاً للقومية العربية، مع الحديث عن دولة عربية موحدة "من المحيط الأطلنطي إلى الخليج" تقف إلى جانب مصالح جماهير السكان. وكانت هناك إصلاحات ملموسة، في ظل الإطاحة بالإقطاعيات الكبرى وتأميم معظم المنشآت الصناعية. لكن تلك الإصلاحات كانت في مصلحة الطبقة التي جاء منها الضباط – قسم من الطبقة الوسطى أراد الصعود إلى أعلى مستخدما الدولة لتعزيز مصالحه. وقد ظهر ذلك من خلال سلوك معظم فرق الضباط، حيث لم يوجد انتماء عال أو شجاعة أو كفاءة تزيد عما كان موجودا في عام 1948. وبالرغم من الكثير من الرطان حول "الأمة العربية"، فقد كانت الأولوية بالنسبة لهؤلاء هي مصالحهم الذاتية، والتي كان من الممكن تعزيزها في بلادهم، لا عبر النضال ضد إسرائيل على أساس من الوحدة والتعاون.
عكس هذا الوضع نفسه في القصور الاستراتيجي والتكتيكي، وعدم الرغبة في مجابهة الجيش الإسرائيلي بأسلوب حرب العصابات الذي كان ربما سيحطم المصالح المادية التي يتمتع بها هؤلاء الضباط.
أشار توني كليف عقب هزيمة 1967 مباشرة إلى التعارض بين الأساليب الكارثية التي اتبعها أهم النظم القومية العربية، وهو نظام عبد الناصر في مصر، وبين تلك المستخدمة بواسطة جبهة التحرير الوطنية في فيتنام ضد الولايات المتحدة: "تكمن قوة أية حركة ضد الإمبريالية في تعبئة جماهير العمال والفلاحين، في نشاطهم الذاتي، من جهة، والاختيار الصحيح للحلقة الأضعف في السلسلة الإمبريالية من جهة أخرى. ومن ثم فقد كانت جبهة التحرير الوطنية في فيتنام محقة تماماً في الاعتماد على الجيوش والميليشيات الجماهيرية، والتحرش بالجيش الأمريكي وتوابعه. ومن ثم فإن القوة الكامنة للحركات العربية ضد الإمبريالية تتمثل في جماهير العمال والفلاحين. ومن المفروض أن تكون المواقع المستهدفة هي حقول وخطوط ومصافي النفط. يجب أن يقوم الفلاحون بإصلاح زراعي ثوري، مما يخلق القاعدة لحرب العصابات. غير أن المواجهة العسكرية التي قام بها عبد الناصر ضد إسرائيل كانت متعارضة كلية مع السياسات والتكتيكات التي اتبعها جيش التحرير الوطني في فيتنام؟"
وباعتبار الأنظمة الوطنية العربية أنظمة طبقية ترتبط بالرأسمالية، فإنها لم تكن قادرة على القيام بنوع الحرب المطلوب لهزيمة إسرائيل وداعميها الإمبرياليين. وبمجرد أن فشلت تلك الأنظمة للمرة الثالثة في حرب أكتوبر 1973 في إلحاق هزيمة بإسرائيل، رغم بعض النجاح الذي تحقق في بداية الحرب، فقد امتثلوا للأمر الواقع وقام الواحد تلو الآخر بعقد صفقات مع الإمبريالية. حتى خلفاء عبد الناصر في مصر عقدوا صفقة مع إسرائيل.
غير أن سجل حزب الله كان مختلفاً، ليس لإن الحزب ليس دولة، لكنه لإنه جرى تنظيمه بفعل منظمة قامت على النضال من أسفل.
ظل الشيعة على مدى التاريخ القطاع الأكثر تعرضاً للقهر من بين سكان لبنان. لم يكن ذلك يعني أن جميع الشيعة هم من العمال والفلاحين، فقد كان هناك عدد قليل من العائلات الشيعية الثرية وشريحة من التجار ومهنيي الطبقة الوسطى. لكن قسما أكبر بكثير من الشيعة كان ينتمي إلى الطبقات الدنيا، أكثر مما كان الحال عند الطوائف الدينية الأخرى في لبنان – فقد كان الشيعة "مممثلين بين الطبقات العاملة في القطاعات الزراعية والصناعية المتأخرة بأكثر من نسبتهم للسكان." حتى الطبقات الوسطى كانت مضغوطة بواسطة بنية الدولة الموروثة عن الإمبريالية الفرنسية، التي قسمت السلطة السياسية بين قادة المسيحيين المورانة والمسلمين السنة والدورز. وفي وقت الاستقلال عن فرنسا، كان 40% من المناصب العليا في الحكومة من نصيب الموارنة، و27% من نصيب السنة و3.2% فقط من نصيب الشيعة، واستمرت هذه التفرقة كما هي بشكل أساسي، ولكن بنسب أقل سفوراً، إلى أن تم توقيع اتفاق الطائف عام 1989 الذي وضع نهاية للحرب الأهلية اللبنانية.
وقف عاملان وراء صعود حزب الله، أولهما طريقة مجيء رجال الدين الشيعة إلى سدة الحكم في إيران عبر ثورة 1979. فقد كانت لدى بعض رجال الدين الشيعة في لبنان صلات وثيقة، تعليمية وعائلية، برجال الدين المنتصرين في إيران، ومن ثم فقد استلهموا أيديولوجيتهم بشأن تجاوز القهر والفقر عن طريق إقامة "المجتمع الإسلامي" الذي وحد الفقراء والأغنياء، واضعاً نهاية للطمع والتفتت الناتجين عن "التأثيرات الغربية". فقد أراد هؤلاء تحقيق التغيير عن طريق الجمع بين الوعظ الديني وإقامة حركة اجتماعية سياسية تكون مهمتها الأساسية تخفيف حدة الفقر، خاصة في جنوب لبنان، والبقاع الشرقي، و"دوائر البؤس حول بيروت".
وكان العامل الثاني هو الغزو الإسرائيلي للبنان في 1978 و1982، الذي استهدف سحق الفلسطينيين. فسرعان ما أصبح واضحاً أن سكان الأقاليم، وخاصة الشيعة، كانوا هم من يتحملون وطأة وجود الاحتلال الإسرائيلي. وبدأ رجال الشيعة الراديكاليون العمل في وادي البقاع مع فصيلة كبيرة من الحرس الثوري الإيراني من أجل خلق منظمة حرب عصابات قادرة على إشعال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. ولم يكن التدريب عسكرياً فحسب، ولكنه حوى مضموناً دينياً رفيعاً استهدف خلق ولاء كبير نحو النضال. وكما تشير إحدى الروايات:
"كان على مقاتلي حزب الله أن يخوضوا الجهاد الأكبر، وهو التحول الديني الروحي، من أجل النجاح في الجهاد الأصغر، وهو الكفاح المسلح الذي يتطلب الشهادة. وعبر تغلب مقاتلي حزب الله على رغباتهم الشخصية والدنيوية، بقبول فضيلة الشهادة، استطاعوا إثارة خوف وقلق أعدائهم."
أعتُبرت الرغبة في قبول الشهادة مسألة أساسية في النضال – حيث أن ميزان القوى المختل نتيجة تفوق الإسرائيليين الكبير فيما يتعلق بالتسلح، يمكن فقط تعويضه عن طريق الشهادة. وكان الإيمان الديني شديد العمق للشيعة ضرورة لترسيخ الإطار العقلي المطلوب. غير أن العمليات الانتحارية لم تكن على الإطلاق وسيلة النضال الأساسية.
"كانت الأولوية للوسائل التي لا تحتم الشهادة.. تم تسجيل فقط 12 عملية تفجير بسيارات ملغومة"، وكانت الشهادة تأتي في معظم الأحيان خلال عمليات غير نموذجية كان الموت فيها النتيجة المتوقعة.
وكان العنصر الأساسي في استراتيجية حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان منذ 1982 حتى 2000 هو ضرب العدو من حيث لا يتوقع، وعدم الانخراط في معارك يُفترض أنها بطولية، ولكنها في حقيقتها كارثية وتتم بشروط العدو. وبهذه الطريقة فقد نما عد العمليات من 100 عملية في 1985-1989، إلى 1030 في 1990-1995 إلى 4928 في 1996-2000، حينما انسحبت القوات الإسرائيلية في النهاية بفعل الفوضى التي وقعت فيها مما أعطى دفعة قوية لشعبية حزب الله. وتقول المصادر أنه منذ ثلاثة سنوات كان حزب الله لديه "20 ألف مقاتل و5 آلاف رجل أمن."
وبلغت شعبية حزب الله إلى الحد الذي جعل رجالاً من غير الشيعة يرغبون في الانضمام إلى أنشطة المقاومة. فأقام الحزب وحدات حرب عصابات خاصة لهؤلاء – وذلك رغم أن حزب الله كان يضمن أن السيطرة الأساسية كانت في أيدي "الأتقياء". ووفقاً لما يقوله أحد قيادات الحزب، فإن تيار حزب الله الإسلامي يشمل عناصر سنية تقوم بتنسيق أنشطتها مع حزب الله، إضافة إلى كتائب المقاومة اللبنانية التي تتضمن إسلاميين وغير إسلاميين. وخلال حرب الثلاثة وثلاثين يوماً، قام أيضا بتنسيق أنشطته مع جماعات مقاومة مستقلة، على سبيل المثال تلك التابعة للحزب الشيوعي اللبناني.
إذا كان حزب الله لم يكن في البداية مجرد مؤسسة عسكرية، فإنه الآن بعيد جداً عن كونه كذلك. فقد توسعت بشدة شبكة الرفاهة التابعة له، من عيادات ومستشفيات ومدارس ومنح دراسية، إلى أن أصبحت بعض التقديرات تشير إلى أن هذه الشبكة أكبر من تلك التي تمتلكها الدولة اللبنانية في الضواحي الجنوبية لبيروت ووادي البقاع والجنوب اللبناني. وعلى سبيل المثال، يقال أن الوحدات الطبية التابعة لحزب الله تتعامل مع نصف مليون شخص كل عام. ومن أجل الحصول على مزيد من الدعم الشعبي، توسع حزب الله في تقديم الخدمة الطبية، فلم تعد مقتصرة على الشيعة، بل أصبحت تقدم لبعض السنة والمسيحيين والدروز في المناطق التي بها وجود للحزب.
ويدير حزب الله قناة تليفزيونية كاملة التجهيز، هي قناة المنار، التي "بها جو مؤسسي يعمل به مئات العاملين"، ولديه وحدة نقابية بها ممثلين داخل اتحاد العمال اللبناني، واتحاد المزارعين اللبنانيين، ورابطة أعضاء هيئة التدريس الجامعي اللبنانية، ونقابة المهندسين، ورابطة طلبة الجامعات اللبنانية.
وتفسر هذه الشبكة من الأنشطة والمنظمات الجماهيرية درجة التأييد الشعبي الذي بناه الحزب والذي مكنه من الصمود في مواجهة مدافع الدبابات الإسرائيلية. وقد مكنت هذه الشبكة حزب الله أيضاً من الدخول إلى قلب المؤسسة اللبنانية الشعبية، والتأثير في السلطات المحلية وأعضاء البرلمان والحكومة – حتى أنه منذ العام الماضي، وحزب الله لديه وزيران في الحكومة.
غير أن ذلك ورّط الحزب في نوعين مختلفين من التنازلات. يتعلق الأول بالأساس الديني لحزب الله. فالشيعة هم أقلية في المجتمع اللبناني، رغم أنهم الآن أكبر أقلية. كما أنه توجد قوى سياسية شيعية أخرى بجانب حزب الله. ومن أجل تعزيز نفوذ منظمة حزب الله في ظل هذا الوضع – ومن أجل عدم إغراق البلاد في حرب طائفية أخرى – تخلت قيادة حزب الله عن هدف إقامة دولة إسلامية شيعية، وهو الهدف الذي نشأ حزب الله على أساسه بتأثير من الخميني.
ويعتبر مؤرخ المنظمة، قاسم، أن القرآن يرفض الإكراه في الدين، ومن ثم فإنه يطرح أن: "خلق دولة إسلامية ليس وظيفة تتبناها مجموعة أو فريق واحد ويفرضها على الآخرين." ويضيف أن حزب الله يدعو إلى: "تطبيق النظام الإسلامي المبني على الاختيار المباشر والحر من قبل الشعب، لا على الفرض بالقوة…"، و"أننا نؤمن بأن خبرتنا السياسية في لبنان قد قدمت نمطاً متناغماً مع الرؤية الإسلامية داخل مجتمع مختلط – بلد لا تتبع نمط تفكير أسلامي." وفي الانتخابات المحلية، شدد حزب الله على القضايا الاقتصادية والاجتماعية و"قدم مرشحيه على أسس غير طائفية، مؤكداً على الأمانة والجدية في العمل المتعلق بالمحليات."
ولا يعني ذلك أن حزب الله قد حوّل نفسه إلى منظمة لبيرالية تقوم على حرية الفكر. ففي الماضي، استخدم الحزب السلاح في التعامل مع معارضيه. ففي بداية الثمانينات استخدمه ضد بعض مقاتلي المقاومة من الشيوعيين وضد حركة أمل المناوئة له – رغم أن العديد من النشطين الشيوعيين انضموا له بعد ذلك بوقت قصير. والآن هو يتعاون مع كل من الحزب الشيوعي وحركة أمل. ولايزال قادة حزب الله ملتزمين بالتصور الديني ويفعلون ما بوسعهم من أجل أن تحوز مفاهيمهم (مثل حجاب النساء) القبول في المناطق التي يسيطرون عليها. ويسعون إلى إدارة تلك المناطق مستخدمين تصورهم حول الشريعة (والتي تشدد على دور القضاة المسلمين في التوسط في النزاعات من أجل كسر التقليد المتعلق بالثأر بين العائلات). لكن حقيقة أن قادة حزب الله تعاونوا مع القوى غير الشيعية وحتى غير الدينية من أجل مواجهة الولايات المتحدة "الشيطان الأكبر" وإسرائيل "الشيطان الأصغر"، هي أمر يتناقض مع الموقف الديني المحدود الذي تبنوه في البداية، والذي كان أحد العوامل المتسببة في الانشقاقات التي حدثت داخل قيادة حزب الله. وسوف يتعاظم هذا التناقض طالما تتنامى المقاومة غير الشيعية وغير الإسلامية للإمبريالية على الصعيد العالمي.
غير أن هذا التناقض متداخل مع تنازل من نوع مختلف – تجاه الدولة اللبنانية والأحزاب السياسية اللبنانية الأخرى – بما فيها تلك المتحالفة مع الإمبريالية والدول العربية الأخرى.
يرتكز النظام السياسي اللبناني على صفقات يقوم خلالها القادة السياسيين لكل طائفة بعمل مساومات مع القادة السياسيين للطوائف الأخرى من أجل الحصول على قدر كاف من رعاية الدولة يمكنهم من الاحتفاظ بتأييد أتباعهم. وفي وجود مثل هذا النظام، يمكن حدوث نزاعات عديدة بين الأحزاب المختلفة، بما فيها النزاعات المسلحة، دون أن يؤدي ذلك إلى وضع الأسس الاجتماعية والاقتصادية للنظام موضع تساؤل. وبعد أن أدان حزب الله هذا النظام عند بداية نشأته، اختار بعد ذلك أن يكون جزءا منه. وتضمن ذلك اتفاقات انتخابية ليس فقط مع اليسار المضاد للإمبريالية، ولكن أيضا مع اليمين الموالي لها. وفي الانتخابات، دخل في قوائم مشتركة مع الحزب الشيوعي في النبطية وصور، ولكن في بيروت، شارك في قائمة سعد الحريري، الملياردير المرتبط بالسعودية، ابن رئيس الوزراء الأسبق الذي أغتيل، رفيق الحريري. وبرر حزب الله هذه الصفقة مع الأعداء السياسيين والأيديولوجيين بأنها لأجل: "الحفاظ على توازن طائفي". وكانت الصفقة الأحدث هي تلك التي عقدها الحزب مع ميشيل عون، الجنرال الماروني ورئيس الوزراء في المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية.
وتم الزعم بأن مثل هذه الصفقات حمت حزب الله قليلاً خلال المواجهة مع إسرائيل. فقد قام ميشيل عون، من أجل رفع أسهمه فيما يتعلق بطموحاته بتقلد منصب الرئاسة بعد أن قضى خمسة عشر عاماً في المنفى، بتقديم بعض الدعم لحزب الله. فعلى سبيل المثال، نظم مسألة استضافة آلاف اللاجئين في القرى المسيحية في جبل لبنان. لكن كتلة الحريري الموالية للغرب، والتي تسيطر على الحكومة، راهنت على أن إسرائيل سوف تسحق حزب الله، مما يسمح لها بالسيطرة على جنوب لبنان. وجاءت الحماية الأساسية لحزب الله من قاعدته الاجتماعية الواسعة وقدراته القتالية – والتي لو كانت قد أصابها الوهن في أية لحظة، لكان معظم هؤلاء "الحلفاء" قد وضعوا الخنجر في ظهر الحزب من أجل مصلحة أصدقائهم في واشنطن أو باريس أو الرياض. إن ما تفعله هذه الصفقات في الحقيقة هو تقييد قدرة حزب الله على الفعل.
اعتاد حزب الله التصويت بالرفض لموازنات رفيق الحريري، لأن الحريري كان يعتبر الحكومة اللبنانية بمثابة "مجلس إدارة" يتعامل من خلاله لإدارة البلاد كما لو كانت واحدة من شركاته. وعندما شارك حزب الله في الحكومة بعد ذلك، اختار قبول هذا الأسلوب في إدارة الأمور. وبالقطع هذا يضعف قدرته على تحقيق تقدم على صعيد أحوال الفقراء، وهو الأمر الذي بنى على أساسه شعبيته، وهو يضعف أيضا قدرته على تقليص النفوذ الذي يحظى به العديد من السياسيين الطائفيين على أتباعهم. ربما يكون حزب الله على استعداد لتقديم بعض خدمات الرفاهة خلال الشبكات الخيرية التابعة له، ولكنها لا يجب أن تكون بديلاً لأنواع الخدمات التي يجب ويمكن أن تقدمها الدولة في حالة عدم وقوعها في شراك الرأسمالية الليبرالية الجديدة.
من ناحية أخرى، تقيّد مثل هذه الصفقات من قدرة حزب الله على خوض النضال ضد الإمبريالية والرأسمالية بالطريقة التي قد يرغب فيها. ففي المراحل النهائية لحرب الـ33 يوماً، كانت هناك ضغوط على حزب الله لتوقيع اتفاق الهدنة النهائي، وهو ما رضخ له فعلاً. لكن ذلك ترك القوات الإسرائيلية في لبنان، وترك الحصار الإسرائيلي على لبنان كما هو، وسمح بأن تدخل لبنان قوات فرنسية، حتى بالرغم من كون الحكومة الفرنسية اتفقت مع الولايات المتحدة على أنه يجب نزع سلاح حزب الله. على أن حسن نصر الله زعيم حزب الله شرح أن الأمر من وجهة نظره هو كالتالي: "نحن نواجه النتائج الطبيعية المعقولة والممكنة للصمود العظيم الذي عبر عنه اللبنانيين باختلاف مواقعهم."
مثل آخر: كانت الحكومة اللبنانية الموالية لأمريكا تواجه "خطر الانهيار" عندما تحطمت آمالها في تحقيق إسرائيل لانتصار سريع. لكن ما حافظ عليها هو حزب الله ذاته. ذلك أن الحزب لا يمكنه أن يرى أن هناك بديل عن "الإجماع الواسع". والمفارقة أنه بالرغم من ذلك، وبعد انتصار حزب الله، "سعت حكومة السنيورة سعياً حثيثاً إلى تعطيل عمليات إعادة الإعمار في الوقت الذي كانت تقبل فيه الأموال الأمريكية.. كان المثال الأخير على ذلك هو الرفض الحكومي لتقديم مساعدات نقدية لأولئك الذين حُرموا من وظائفهم بسبب الحرب – وهو الإجراء الذي طالب به وزير العمل، عضو حزب الله في الحكومة."
غير أن ما نحن يصدده ليس فقط التنازلات على الصعيد الداخلي. فقد اعتمد حزب الله طويلاً على تحالفه مع سوريا.
يطرح نعيم قاسم، عاكساً الرؤية الرسمية لحزب الله: "أنه أمر طبيعي أن تتطابق وجهات نظر حزب الله مع تلك التي تتبناها سوريا لأن لا أحد في مأمن من المطامح الإسرائيلية"، ومن الطبيعي أن يعتقد الحزب في وجود "علاقات سورية إيرانية استراتيجية" منذ الثورة الإسلامية في إيران، وأن "وجود علاقة مع سوريا" هو "حجر الزاوية لأجل مواجهة الالتزامات الإقليمية الكبرى".
غير أن النظام السوري بالتأكيد لا تحركه مبادئ العداء للإمبريالية – ولا حتى العداء للصهيونية. فقد عمل طائعاً مختاراً على مساعدة الولايات المتحدة خلال الحرب الأمريكية الأولى ضد العراق. وقبل ذلك، في عام 1976، تدخل النظام السوري في لبنان من أجل إجهاض تحالف اليسار والفلسطينيين الذي حقق نجاحاً في المرحلة الأولى من الحرب الإهلية اللبنانية. وبعد ذلك، في منتصف الثمانينيات، اتبع سياسة تمنع الفلسطينيين من إعادة بناء قواعد عسكرية في جنوب لبنان. ويقر قاسمبأن "سوريا ذبحت 27 [عضواً من حزب الله] عندما دخلت بيروت لوقف الحرب الأهلية عام 1987." ولعل السر الذي يعرفه الجميع هو أن سوريا على استعداد لعقد صفقة مع إسرائيل (والولايات المتحدة) غداً، إذا كانت ستستعيد بموجبها مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967.
غير أن حزب الله لا يتطلع إلى سوريا فقط. إذ يصرقاسم على أنه لا يوجد أي نظام عربي يستحق أن تتم الإطاحة به، حتى تلك الأنظمة التي قدمت تنازلات للإمبريالية والصهيونية. "فعلى هذه النظم القيام بتغييرات جدية بهدف تحقيق المصالحة مع شعوبهم، و"تحتاج القوى الاجتماعية أن تعمل بحرص وتساهم في حدوث تحولات إيجابية عبر الوسائل السياسية، بعيداً عن الصراع المسلح." لكن "من يرفع شعار أن تحرير الأنظمة العربية هو شرط مسبق لتحرير فلسطين يسير في الطريق الخطأ ويعقد مسألة التحرير."
وبالتناغم مع هذه الرؤية "رحب حزب الله بالتدخل القطري في جنوب لبنان. فقد تم اعطاء القطريين، بالرغم من علاقاتهم الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ضوءا أخضر لإعادة إعمار الجنوب. وسوف يحدث ذلك في مقابل ثمن سياسي. هذا ولم تدن صفوف الحزب أو صفوف المقربين منه – سوى بشكل محدود – كل من مصر والأردن والمملكة العربية السعودية.
درس من الماضي
لم يستطع أي جيش عربي تحقيق ما قام به حزب الله خلال حرب الـ33 يوماً. لكنها ليست المرة الأولى التي تظهر خلالها قوة حرب عصابات تبدو على استعداد للقتال بشكل لا تستطيع أن تقوم به دولة عربية. فقد انبثقت حركة شبيهة في هيئة "منظمة التحرير الفلسطينية" عقب هزيمة 1967، التي لم يتطلع إليها الفلسطينيون فقط باعتبارها قطبا للجذب بعد فشل الأنظمة العربية القديمة والجديدة، بل أيضا نشطاء من مختلف أرجاء الشرق الأوسط. مثلا، كتب طالب فلسطيني كان يحمل إسمابراهيم علي في مجلة "إنترناشيونالسوشياليزم" في أوائل عام 1969: "إن حرب يونيو، التي فضحت وجود حالة مؤكدة من الفساد والإفلاس لهذه الأنظمة، أجبرت الفلسطينيين على إعادة تقييم موقفهم تجاه تلك الدول.. وقد عبر ذلك عن نفسه من خلال الدعم الشعبي الجارف لمنظمات حرب العصابات، التي تعمل باستقلال عن الحكومات العربية."
كانت فتح على قادرة على استيعاب هذه المشاعر، وقد تولت قيادة الحركة الفلسطينية عبر تحقيق نصر ذو شأن على إسرائيل في مارس 1968، عقب مرور تسعة أشهر فقط على هزيمة 1967. فقد قام الإسرائيليون بهجوم كبير على قرية الكرامة الأردنية، والتي كان بها مقر حركة فتح. واستطاعت المقاومة الصمود في مواجهة الهجوم الإسرائيلي لوقت كاف مما أدى إلى جر الجيش الأردني إلى المعركة، ومن ثم إلى مصرع 28 إسرائيلياً وإصابة 80 أخرين، وخسارة أربعة دبابات.
لكنه ثبت أن معركة الكرامة كانت عملاً غير مثمر. فقد اعتمد النصر على تقدم الإسرائيليين في منطقة كان الفلسطينيون فيها مسلحين بالفعل وعلى مشاركة الجيش الأردني. لكن المعركة لم تقدم منهجاً قادراً على تحدى الجيش الإسرائيلي في فلسطين نفسها عبر الأردن. وكما يلاحظ إبراهيم على عن حق: "هجمات قوات العصابات.. لم تكن مصحوبة بإقامة قواعد لحرب العصابات في المناطق التي تحتلها إسرائيل. ولا يمكن تفسير ذلك فقط بيقظة الإسرائيليين وعملياتهم الانتقامية الواسعة. فمعظم الموظفين الحكوميين في الضفة الغربية يتلقون راتبين – من الأردنيين والإسرائيليين. كما أن التهريب التجاري بين الشرق والضفة الغربية استمر بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف القرى العربية بالنابالم. يستخدم الإسرائليون سياسة ذات حدين، الردود الساحقة من جهة والتنازلات من جهة أخرى. ولم تضع أي من منظمات حرب العصابات برنامجاً، رغم أنها كلها تدعو إلى الكفاح المسلح من أجل إقامة فلسطين ديمقراطية لا صهيونية ذات قوميتين."
ولم يكن هناك سوى طريق واحد كي تحوّل منظمات حرب العصابات الفلسطينية ميزان القوى لصالحها جذرياً، وهو المساعدة في تحقيق تغير ثوري في أي من الدول العربية على الحدود مع إسرائيل. وكانت هناك إمكانيات قوية في هذا الاتجاه خاصة في الأردن. فقط كانت المملكة في حالة اضطراب متزايد، حيث فقد جيشها نصف أراضيه لصالح إسرائيل (كانت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية عام 1967)، وكان أكثر من نصف السكان في المنطقة التي لا زالت واقعة تحت السيطرة الأردنية من الفلسطينيين. وكان ضعف المملكة واضحاً من خلال السماح لمنظمة التحرير الفلسطينية (بقيادة فتح) بالعمل كدولة داخل الدولة.
ولكن بدلاً من العمل من أجل تنظيم ثورة للإطاحة بالملكية التي أقامها البريطانيون وأبرمت صفقات سرية مع الصهاينة لتقسيم فلسطين في 1947-1948، اتبعت قيادة فتح سياسة "عدم التدخل" في شئون الأردن. وعندما جوبهت الحركة بأسئلة بشأن الموقف من الدول العربية الرجعية فقد استخدم حتى ذوي الميول اليسارية في فتح القول العربي بأنه لا حاجة لا حاجة لقطف الثمرة من فوق الشجرة طالماً أن العاصفة سوف تأتي وتهز الشجرة – وكانت العاصفة هي هزيمة الصهيونية. وفي ذلك الوقت، تطلعت منظمة التحرير الفلسطينية إلى الدول العربية المختلفة، بما فيها الممالك الرجعية في الخليج، من أجل الأموال – ووضعت سياساتها وفقاً لذلك.
ورأينا عواقب ذلك عندما قرر النظام الملكي في الأردن إخراج منظمة التحرير من البلاد في أيلول الأسود عام 1970. وحتى وسط الهجوم عليها، بدلاً من اتباعاستراتيجية ثورية بهدف تحطيم التحالف بين الجنود الأردنيين والنظام الملكي، وافقت قيادة فتح على هدنات مؤقتة سمحت للملكية بفرض الانضباط داخل القوات المسلحة قبل أن تمضي قدماً في الهجوم التالي. وفي وسط الكارثة، كان قائد فتح ياسر عرفات يظهر في الصور وهو يحتضن الملك الحسين ملك الأردن، باعتباره "أخاً عربياً". ورد الحسين على ذلك بإجبار عرفات وقواته على ترك البلاد التي كانت أفضل موقع لخوض حرب العصابات ضد إسرائيل.
ولا يمكن فهم سلوك حركة فتح دون فهم الأساس الطبقي لها. وبالرغم من أن الجماهير العريضة من العمال والفلاحين واللاجئين الفلسطينيين كانوا مساندين لفتح، إلا القادة السياسيين والعسكريين للحركة كانوا من الطبقة الوسطى، وهم يشبهون كثيراً في سلوكهم القادة الذين سيطروا على الحركة القومية العربية. وكان عرفات وباقي قيادة حرب العصابات مهنيين فلسطينيين – مهندسين مدنيين وما شابه ذلك – من الذين بدءوا حياتهم المهنية في دول الخليج الغنية بالنفط. وكانت منظمة فتح مُدارة بشكل هيراركي، في ظل أناس ذوي خلفيات اجتماعية متشابهة يحتلون المواقع القيادية ويتلقون مرتبات أضعاف تلك التي يتلقاتها المقاتلون العاديون. وكأفراد من هذه الخلفية الطبقية، فقد اعتبروا من المسلم به أن يحظوا بتأييد الطبقات الوسطى والعليا الفلسطينية من الناحية السياسية، وذلك بألا يكون العداء الاحتلال الإسرائيلي مرتبطاُ بتحدي الأساس الطبقي الذي يسمح بالوضع المتميز لهذه الطبقات سواء في داخل فلسطين أو في المنفى.
نفس المنطق ساد بعد أيلول الأسود، عندما أقامت منظمة التحرير الفلسطينية قاعدة لها في جنوب لبنان. وكانت إمكانات الفعل الثوري متاحة عام 1975، عندما اتحدت القوى الفلسطينية مع اليسار اللبناني في حركة موحدة على أساس من النضال ضد الحرمان الاقتصادي والاجتماعي كانت قريبة من الإطاحة بالنظام. وكان التدخل السوري، بدعم من الولايات المتحدة، ضرورياً لأجل هزيمة الحركة. غير أنه بعد ذلك، اتخذ الوجود الفلسطيني في جنوب لبنان بعض سمات الاحتلال الأجنبي، في ظل ما تردد حول ممارستهم القمع والتحرش بالسكان المحليين واللصوصية. لم يكن بوسع منظمة عسكرية تدار من أعلى إلى أسفل بواسطة عناصر من الطبقة الوسطى أن تتولى القيادة دون أن تسحق مصالح الطبقات الأدنى منها.
وأخيراً، عندما أجبرت الانتفاضة الأولى 1987-1990 الإسرائيليين على التفاوض بجدية، كانت الحركة على استعداد لقبول جزء من السلطة في جزر منعزلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد كانت تأمل أن تتمكن من استخدام سلطة الدولة لتحقيق مصالحها على نطاق ضيق جداً، وهي المصالح التي لم يكن ممكناً تحقيقها على نطاق واسع دون حدوث تغيرات ثورية عبر العالم العربي بأكمله. ولم تجعل هذه المحاولات إسرائيل فقط طليقة اليد لتوسيع المستوطنات، ولكنها أيضاً أدت إلى إقامة مؤسسات فلسطينية تشبة مؤسسات الدولة، أصبحت سيئة السمعة نتيجة للفساد والقمع والترهل، كما لو كانت كل نقائص الأنظمة العربية قد جرى تركيزها في محاولة لتقليد تلك الأنظمة في تلك البؤر التي سُمح لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تديرها.
الأساس الطبقي لحزب الله
إن حزب الله، باعتماده على الصفقات مع الدولة اللبنانية وبرفضه تبني منظور ثوري إزاء الدول الأخرى، يواجه خطر السير في الطريق الذي سارت فيه منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات عدة. وإذا فعل ذلك، فإن الانتصار الذي حققه في الصيف لن تتم ترجمته إلى استراتيجية فعالة لمواجهة سيطرة الدولة الإسرائيلية على الفلسطينيين، أو لمواجهة المشاريع الإمبريالية بالنسبة للمنطقة ككل.
لكن طريقة حزب الله في العمل ترتبط بالصفقات والتنازلات. فهذه الشبكة من منظمات الرفاهة المهمة جداً من أجل تعزيز قاعدته الشعبية لم تأت من الهواء. فلابد من أن يتم تمويل هذه الشبكة. والتمويل يأتي أساساً من مصدرين، أولهما الدولة الإيرانية، التي توجد بها قوى سياسية مؤثرة على استعداد للتعامل مع الولايات المتحدة إذا تم القبول بإيران كقوة إقليمية مؤثرة. والمصدر الثاني هو الطبقة الوسطى الشيعية وأصحاب الأعمال في لبنان والخارج. وطبقاً لما يقوله أحد الكتاب، فإن حزب الله يعتمد على "الإعانات من الأفراد والجماعات والمحلات والشركات، والبنوك، وكذلك من نظرائهم في بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا وأمريكا اللاتينية وأوروبا واستراليا، ومن الاستثمارات التي يقوم بها حزب الله والتي تستفيد من كون لبنان اقتصاد يقوم على حرية السوق "به العشرات من المجمعات الاستهلاكية ومحطات الغاز والمحلات الكبيرة والمطاعم وشركات التشييد ووكلاء السياحة."
وليس غريباً أن تتبنى منظمة تعتمد بقوة على العمل في داخل النظام الرأسمالي برنامجا اقتصادياً "محافظا" في الداخل، وترفض الإطاحة بالحكومات العربية المجاورة. وهذا الوضع يذكر المرء بالحد الذي تحولت فيه الراديكالية الاجتماعية للجيش الجمهوري الأيرلندي/الشين فين، إلى الاعتدال بفعل اعتماده على أموال المؤيدين الأغنياء في الولايات المتحدة، حتى رغم أن الجيش الجمهوري كان منخرطاً في حرب عصابات في أيرلندا الشمالية.
غير أن العمل في إطار النظام يهدد بحدوث تأثيرات أخرى على حزب الله، كما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية. فالتنازلات التي يقدمها تتضمن اعتماد رجال الدين المعادين للإمبريالية والصهيونية الذين يقودون الحزب، على شريحة من مهنيي الطبقة الوسطى الذين خبروا حراكاً طبقياً لأعلى للعب دور مهم في تقوية الشبكات الاجتماعية التي يبنيها الحزب. إذ "تكوّن المرشحون أو القوائم التي حظيت بمساندة حزب الله في انتخابات عام 2004 أساساً من أفراد من تلك الشريحة الاجتماعية – مهندسون وأطباء ومحامين ورجال أعمال". وفي إطار سيطرة مثل هؤلاء الأشخاص على سياسة حزب الله، فربما ليس غريباً أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية في برنامج الحزب في الانتخابات المحلية ليست أكثر راديكالية من برنامج حزب العمال البريطاني: "تشجيع المواطنين على لعب دور أكثر نشاطاً في اختيار مشروعات التنمية؛ زيادة وظائف وسلطات المحليات في تقديم خدمة التعليم والرعاية الصحية والشئون الاقتصادية والاجتماعية؛ إشراك إناس أكفاء في مشروعات التنمية؛ تمويل مشروعات التنمية عبر إيرادات المحليات والإعانات؛ السيطرة على العمل العام ومجابهة الاختلاس؛ تجديد البني المادية والإدارية للمحليات ومدها بأجهزة الكومبيوتر."
أصبح حزب الله معتمداً على قوى في لبنان سوف تدعم حرب العصابات التي يخوضها طالما تردع تلك الأنشطة إسرائيل من مهاجمة لبنان واحتلاله. غير أن هذه القوى سوف تعوق أي تصور حول اتخاذ أعمال عدوانية تجاه إسرائيل – أو حتى وقوع استفزازات على الحدود بهدف سحب القوات الإسرائيلية إلى المصيدة داخل لبنان. وبهذا الشكل، فإن هذه القوى سوف تحبط أي طموحات بشأن تقديم مساعدات للفلسطينيين ضد الدولة الإسرائيلية.
رد فعل اليسار
فجّرت حرب لبنان موجة عاتية من المعارضة، ليس في البلدان الإسلامية فحسب، ولكن أيضاً في أوروبا وأمريكا اللاتينية. فبعض هذه البلدان لم تشهد مظاهرات هي الأكبر من نوعها منذ السنة الأولى من الحرب على العراق فحسب، لكن كانت هناك أيضاً إرادة غير مسبوقة في الوقوف ضد العدوان الإسرائيلي. ويتناقض ذلك بشكل ملحوظ مع رد فعل معظم اليسار في حروب 1967 و1973 وحتى وقت الغزو الإسرائيلي للبنان الذي أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من الفلسطينيين واللبنانيين.
لكن بعض المقولات والشعارات التي كانت تطرحها عديد من أقسام اليسار لا يزال يشوبها الضعف. فقد انجذبت إلى أمور تتعلق بـ"وقف إطلاق النار" و"حق دولة إسرائيل في الدفاع عن نفسها".
خذ على سبيل المثال النهج الذي تبناه جورج مونبيو واحد من قليلين من كتاب الأعمدة اليساريين المبدئيين في صحيفة الجارديان. فبينما لم يتردد في معارضة العدوان الإسرائيلي، فهو وجد نفسه مضطراً إلى انتقاد حزب الله بسبب العمل الذي قام به ضد الدولة الإسرائيلية، رغم أن هذه الدولة قامت في الأسابيع السابقة بعديد من الهجمات الضارية ضد الفلسطينيين في غزة. فقد كتب يقول: "نعم، كان يجب أن تقوم الحكومة اللبنانية بسحب حزب الله من الحدود الإسرائيلية ونزع سلاحه. نعم، كانت الغارة الإسرائيلية والهجوم الصاروخي الذي قامت به في 12 يوليو غير مبرر وغبي واستفزازي، مثل كل ما حدث حول منطقة الحدود خلال الست سنوات الماضية."
إذاً، فبعد أن دعا إلى "الانسحاب من الأراضي المحتلة في فلسطين وسوريا" يطالب أيضاً بـ"الدفاع عن الحدود مع الإبقاء على الضغط الدبلوماسي على لبنان لنزح سلاح حزب الله (وكما يمكن أن نرى جميعاً، يمكن أن يصبح ذلك قابلاً للتحقق إذا انتهى الاحتلال)."
سادت مثل هذه المقولات في عديد من أوساط الليبراليين واليسار الاشتراكي الديمقراطي. فعلى سبيل المثال، لم يكن بعض مؤيدي "تحالف أوقفوا الحرب" في بريطانيا سعداء بقيام اللبنانيين بحمل شعارات ورايات حزب الله، كما لو أن ما هو مسموح بالتعبير عنه فقط هو نهج سلمي صرف. وحتى في أقصى اليسار، اتخذ البعض موقف "لا هذا ولا ذاك" – لا مع العدوان الإسرائيلي ولا مع المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله. ومن ثم، فقد كتب الحزب الاشتراكي CWI في صحيفته الاشتراكي: "إن الناس العاديين في لبنان وإسرائيل وعزة هم من يدفعون ثمناً باهظاً. ولن يستطيع أي من الجانبين أن ينتصر. فلن يسيطيع حزب الله أبداً هزيمة الجبروت الإسرائيلي وتحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال. ويمكن أن يؤدي النزاع الأخير إلى تعميق اخلافات بين الطبقة العاملة في إسرائيل ولبنان والأراضي الفلسطينية."
ونقلت الصحيفة عن "اشتراكي إسرائيلي" قوله إن "الصراع الراهن يدور حول من يربح أكثر على صعيد المكانة السياسية. والذين يخسرون مما يحدث هي الطبقات العاملة في الجانبين.. وأساس هذه النزاعات الوطنية هو الصراع على السلطة بين الطبقات الحاكمة في المنطقة، والمدعومة من قبل قوى إمبريالية مختلفة."
ووزعت الصحيفة أوراق كتيب يطرح أنه: "لا يمكن أن ينجح حزب الله الذي يهدف إلى تحطيم إسرائيل وإقامة دولة إسلامية على نمط النظام الرجعي الإيراني. كل ما يستطيع أن يفعله هو تعزيز الانقسامات بين السكان ذوي الأعراق والطوائف المتعددة في لبنان والشرق الأوسط."
ولم يكن شعار هذا الحزب الاشتراكي "التضامن مع المقاومة"، ولكنه كان دعوة مجردة "من أجل فلسطين اشتراكية وإسرائيل اشتراكية كجزء من اتحاد كونفيدرالي اشتراكي في الشرق الأوسط". بنفس الطريقة، فإن قيادة الحزب الاشتراكي الاسكوتلندي الميت واقعياً اتخذت موقفاً تجاه الحرب يدين حزب الله، باعتباره "أحد المنظمات الإرهابية الأكثر وحشية في العالم" وينتقد الحزب بسبب "هجماته الغير قانونية والقاسية عبر الحدود".
وظهرت مشكلات كل تلك الطروحات بمجرد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. فقد بدأت آلات الدعاية الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية في المطالبة بالإسراع في تشكيل قوة دولية تابعة للأمم المتحدة في ظل القرار 1701، للعمل مع الجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله، وإغلاق الحدود اللبنانية حتى يمكن إعطاء إسرائيل وسائل بديلة لـ"الدفاع" غير نزع سلاح حزب الله بنفسها. وفي واقع الأمر، فقد كانت هذه المطالب تعني احتلالاً أجنبياً للبنان. وبالطبع، لم يكن هناك أي حديث عن إمكانية وجود "احتلال أجنبي" في إسرائيل لمنع الهجمات اليومية على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. كل أولئك اليساريين الذين عارضوا الأعمال العسكرية لحزب الله وإسرائيل وطالبوا ببساطة بوقف إطلاق النار فتحوا الباب أمام هذه الدعوات.
ويثير هذا اللبس سؤالين مهمين بالنسبة لليسار بكامله على مستوى العالم، يتعلقا بتحليل كل من وضعية دولة إسرائيل، وسلوكيات المنظمات الإسلامية التي تواجه الإمبريالية والصهيونية.
طبيعة الدولة الإسرائيلية
يكرر المعلقون الليبراليون-اليساريون والموالون للولايات المتحدة واليمين الإسرائيلي نغمة واحدة المرة تلو الأخرى، هي أن "دولة إسرائيل لها الحق في الوجود". وعندما يضع أي من كان هذا الطرح موضع تساؤل، يجري اتهامه بمعاداة السامية والرغبة في حدوث هولوكوست جديد، في الشرق الأوسط هذه المرة.
غير أن "حق الوجود" بالنسبة لدولة ما يختلف تماماً عن "حق شعبها في البقاء على قيد الحياة". لقد شهد النصف الأول من القرن العشرين تدمير وتفكك عديد من الدول – على سبيل المثال الإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية. غير أن أحداً من اليسار-الليبرالي لم يبد الندم على سقوط تلك الدول، أو يعترض على المذابح الجماعية حينما حدثت. وبنفس الطريقة، شهدت السنوات الـ17 السابقة اختفاء الاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا دون أن يصرح أحد لأجل "حق هذه الدول في الوجود".
فسواء كان المرء يؤيد أو يعارض استمرار دولة ما، فلا يتوقف ذلك على "الحق في الوجود" ولكن على طبيعة تلك الدولة والبدائل المطروحة لوجودها.
يعتبر الملمح الأهم لفهم حالة الدولة الإسرائيلية هو أنها دولة مستوطنين – أي أنها واحدة من تلك الدول التي كونها المستوطنون الأوروبيون وقت نمو الإمبراطوريات الأوروبية. فمنذ نحو 120 عاماً، كان السكان اليهود في فلسطين التاريخية (الآن إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة) لا يتعدون آلاف قليلة، وكان السكان العرب مئات الآلاف. فطبقاً لتعداد الإمبراطورية العثمانية لعام 1893، فقد بلغ عدد السكان اليهود 9817 نسمة. وإذا ما أخذنا في الاعتبار المهاجرين الجدد من اليهود، سيرتفع عدد اليهود إلى 25 ألفاً في مقابل 400-600 ألف من العرب. أما نمو السكان اليهود ليصل إلى 55% من السكان في المنطقة، فقط كان نتيجة الاستيطان الكبير هناك منذ ذلك الحين. ومما يبين هذه الحقيقة هو أنه بحلول منتصف الستينيات، كان 24% فقط من البالغين الإسرائيليين قد ولدوا في فلسطين التاريخية – وكان 4% فقط من والدين ولدوا في فلسطين.
ولا يمكن لهؤلاء السكان أن يزيدوا، ويكونوا دولة في 1948-1949 تضم ثلاثة أرباع مساحة المنطقة، إلا عبر نزع ملكية السكان الأصليين. وكما طرح الجنرال والسياسي الإسرائيلي ديان في 1956: "نحن جيل مستوطن، وبدون الخوذة المعدنية والمدفع، لن نستطيع زرع شجرة أو بناء منزل. لا تدعوا الكراهية التي يشعر بها نحونا مئات الآلاف من العرب حولنا تثنينا عن عزمنا."
وبذلك، فقد كانت إسرائيل مثلها مثل دول الاستيطان الاخرى التي أسسها المستعمرون الأوروبيون على حساب السكان المحليين في أمريكا الشمالية واستراليا والجزائر أثناء الحكم الفرنسي، وروديسيا أثناء حكم البيض، ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وحقيقة أنه كان في طليعة المستوطنين إناس هاربون من القمع في أوروبا، خاصة عقب الهولوكوست، لا يغير شيئاً من الحقيقة الأساسية، وهي أن الاستيطان تم على حساب السكان المحليين. وفي حقيقة الأمر، فقد كان عديد من المستوطنين في أمريكا الشمالية قد تركوا بلادهم هرباً من الاضطهاد الديني أو الفقر، وعديد من المستوطنين في استراليا جاءوا بفعل التهجير من جانب بريطانيا، كما أن عديداً من الفرنسيين الجزائريين قامت فرنسا بترحيلهم إلى هناك عقاباً لهم على مشاركتهم في ثورة 1848 أو في كوميونة باريس. وبنفس الطريقة قام بالاستيطان اليهودي في فلسطين أفراد قاسوا اضطهاداً عنيفاً في أوروبا. لكن بمجرد وصولهم إلى أرض الغير، أصبح لابد أن يقوموا بأعمال عدائية ضد السكان الموجودين حتى يحافظوا على وجودهم. إذاً فإن منطق الاستعمار الاستيطاني هو أن أولئك الذين كانوا مُضطَهَدين، أصبحوا يضطهدون الغير.
وكانت هناك نماذج مختلفة من الاستعمار. تضمّن نموذج أمريكا الشمالية واستراليا ما يقترب من إفناء السكان المحليين – وفي بعض الأحيان تم القضاء عليهم بالكامل – ومن ثم لم يمثلوا تهديداً للسكان المستوطنين وذرياتهم، ولم يؤثروا تأثيراً يذكر على طبيعة الدولة. وتضمّن نموذج الاستعمار الاستيطاني في الجزائر تحت الحكم الفرنسي، وروديسيا أثناء حكم البيض، وجنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، استخدام السكان المحليين كمصدر للعمالة الرخيصة في مزارع وشركات المستوطنين البيض. ومن ثم، فقد تماهى كافة السكان البيض في هذه المناطق مع الوظيفة القمعية للدولة حفاظاً على المزايا التي كانوا يحظون بها – إلى الحد الذي جعل مليون فرنسي كانوا استوطنوا في الجزائر يهاجرون منها عقب الاستقلال عام 1963. وفي فلسطين، تضمن نموذج الاستيطان اليهودي طرد المستوطنين للسكان المحليين المقيمين في مناطق الاستيطان من أجل إنشاء مستوطنات ومشروعات يهودية صرفة.
وكما أوضح توني كليف، الذي نشأ في فلسطين في العشرينيات والثلاثينيات: "جاء اليهود إلى فلسطين بفعل سلسلة من المآسي الإنسانية – مذابح روسيا القيصرية، والاضطهاد في شرق أوروبا، والهولوكوست الذي قامت به النازية. وعندما وصلوا إلى فلسطين، وجدوا أنه يسكنها العرب. وأيا كان الدافع الذي أتي باليهود إلى هناك، فلم يكن من الممكن تجنب النزاع بين المستوطنين اليهود والسكان العرب. فقد كان المستوطنون يشترون الأرض من ملاك الأراضي العرب، ثم يطردون الفلاحين العرب منها، واستثنوا العرب من المشروعات التي أنشأوها."
"كان الفلاح العربي يعرض العمل بسعر منخفض جداً. كيف كان باستطاعة عامل أوروبي أن يجد عملاً في ظل هذا الوضع؟ كان الطريق الوحيد هو منع توظيف أصحاب العمل اليهود لأي عامل عربي. في تل أبيب، التي كانت تمتلك بالكاد 300 ألف نسمة عشية تأسيس دولة إسرائيل، لم يكن هناك عامل عربي واحد ولا ساكن عربي واحد."
"ومنع الصهيانية الفلاحين من بيع منتجاتهم في السوق اليهودي. وعندما يتجرأ فلاح تحت ضغط الجوع على خرق هذه القاعدة يكون نصيبه الضرب."
"وكان على كل عضو من اتحاد العمال الصهيوني، الهستدروت، أن يدفع ضريبتين: الأولى لأجل "العمل اليهودي" – أي أموال تستخدم في تنظيم دوريات وما إلى ذلك لمراقبة عدم تشغيل العمال العرب، والثانية لأجل المنتج اليهودي" بهدف تنظيم مقاطعة المنتجات العربية. ولم يعارض أي حزب صهيوني، ولا حتى حزب هاشوميرهاتزير، الآن المابام، أكثر الأحزاب "اليسارية" تطرفاً، مقاطعة العمال والفلاحين العرب. ذلك أن مقاطعة العرب كانت مسالة أصيلة في الصهيونية: فبدون هذه المقاطعة، لم يكن باستطاعة العامل أو الفلاح الأوروبي الحياة."
أثارت هذه الأفعال بالضرورة غضب الجماهير العربية. وكانت هناك طريقة واحدة فقط يمكن أن يحمى بها المستوطنون أنفسهم في مواجهة هذا الغضب، وهي عقد صفقة مع هذه الدولة الإمبريالية أو تلك. ومن ثم ففي العشرينات والثلاثينات، وبداية الأربعينات، تواطئوا مع البريطانيين – الذين على سبيل المثال أمدوهم بمساعدات عسكرية أثناء قيامهم بسحق الانتفاضة الفلسطينية في 1936-1939. ومكنّهم التدريب العسكري الذي تلقوه في ظل الحكم البريطاني – في ظل المساندة الدبلوماسية الأمريكية والأسلحة الواردة من شرق أوروبا – من الاستيلاء على معظم فلسطين التاريخية في ثلاث هجمات عسكرية (تخللتها هدنتان)، عندما تركت بريطانيا فلسطين عام 1948، واستخدام الإرهاب في طرد معظم السكان الفلسطينيين من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها. وفي العقود التالية، خفتت المصالح الإمبريالية البريطانية لصالح المصالح الأمريكية – ومن ثم فقد توجهت إسرائيل نحو الولايات المتحدة.
لخصت صحيفة هآرتس الليبرالية الإسرائيلية علاقة إسرائيل بالإمبريالية في 30 سبتمبر 1951 على النحو التالي: "أعطيت إسرائيل دوراً لا يختلف عن دور كلب الحراسة.. إذا فضل الغرب لسبب أو آخر أن يغلق عينيه، فيمكنه الاطمئنان إلى أن إسرائيل سوف تعاقب بقسوة الدول المجاورة التي تتجاوز الحدود المسموح بها في التعامل مع الغرب."
وفي مقابل لعب هذا الدور فإن إسرائيل، رغم حجمها الصغير نسبياً، تتلقى ثلث إجمالي المساعدات الأمريكية الخارجية، وهو أكثر بكثير مما تتلقاه أية دولة أخرى. ويشير أحد التقديرات إلى أن أجمالي المساعدات الإمريكية إلى إسرائيل بلغ أكثر من 84 مليار دولار في الفترة من 1949-1997. ويعني ذلك أن كل مواطن إسرائيلي قد تلقى أكثر من 14 ألف دولار. ويذهب جزء كبير من هذه المساعدات إلى إمداد إسرائيل بالتكنولوجيا العسكرية الأكثر تقدما من أجل ترهيب دول الشرق الأوسط الأخرى ومهاجمتها إذا لزم الأمر. ومن ثم، فقد وُعدت إسرائيل بـ270 مليون دولار كمساعدات اقتصادية و2.04 مليار كمساعدات عسكرية في عام 2003.
ويشير تحليل ماركسي كلاسيكي حول الدولة الإسرائيلية وضعه حاييم هانجبي وموشيه ماكوفروأكيفا أور، إلى أن تلك المساعدات سمحت أيضاً لإسرائيل بالتمتع بالتوسع الاقتصادي دون أن تدفع لذلك ثمناً باهطاً: "في السنوات من 1949-1965، حصلت إسرائيل على ما قيمته ستة بلايين دولار من واردات السلع والخدمات زيادة عما قامت بتصديره، أي أن نصيب الفرد بلغ 2650 دولاراً في الـ16 عاما من 1949-1965. وفي نفس الفترة بلغ صافي المدخرات المتوسط في إسرائيل صفراً – بينما كان الاستثمار القومي يمثل 20% من الناتج المحلي الإجمالي."
"المجتمع الإسرائيلي ليس فحسب مجتمع استيطان.. بل إنه أيضاً مجتمع يستفيد من ميزات فريدة. فهو يتمتع بتدفق الموارد المادية من الخارج بكم وكيف ليس لهما مثيل.. إسرائيل حالة فريدة في الشرق الأوسط.. يتم تمويلها من قبل الإمبريالية التي لا تقوم باستغلالها اقتصادياً."
ويطرح هؤلاء المحللون أن الطبقة العاملة اليهودية هي أحد المستفيدين: "لا يأخذ العامل اليهودي نصيبه في شكل نقدي، ولكن في شكل إسكان جديد ومنخفض الثمن نسبياً، والحصول على عمل في المشروعات الصناعية التي لا يمكن أن تقام أو تستمر دون دعم خارجي، والتمتع بمستوى عام للمعيشة لا يتطابق مع ناتج المجتمع."
لا شك أن المساعدات الأمريكية استخدمت للتخفيف من حدة آثار الأزمات الاقتصادية، لا منع حدوث هذه الأزمات. لذلك فإن الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1990 يقول: "خلال أزمة إسرائيل الاقتصادية في 1984-1985، ساعدت المعونات الأمريكية الطارئة إسرائيل، بينما في بداية 2003، عندما كان الاقتصاد الإسرائيلي "يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخ البلاد"، ذهب وفد إسرائيلي إلى الولايات المتحدة للمطالبة بـحزمة معونة طارئة قيمتها 12 مليار دولار."
ولم يكن متوقعاً أن تكون المعونة مجانية. فقد عرضت إسرائيل في المقابل، كما يقول الكتاب السنوي "تحالفاً استراتيجياً بين أمريكا وإسرائيل"، وهو التحالف الذي استمر بسبب "التصور الذي يعتبر أن الروابط مع إسرائيل تتوافق مع مصلحة أمريكا". واتساقاً مع هذا التصور، كان هدف جزء من المساعدات التي طالبت بها إسرائيل هو "دعم استعداداتها العسكرية"، استعداداً للحرب التي شنتها أمريكا على العراق بعد ذلك.
لم يكن من الممكن أن تنشأ دولة إسرائيل أو تحافظ على وجودها بدون تلك الصفقات. فبدون الدعم الذي تقدمه تلك الصفقات، ما كان شئ سوف يحفز السكان اليهود في المناطق المختلفة على الهجرة إلى إسرائيل. وهناك حالياً كثير من الإسرائيليين، ممن اعتادوا على مستويات المعيشة الأوروبية والأمريكية، يهاجرون إلى أوروبا وأمريكا من أجل محاولة الاستفادة من المزايا التي تقدمها تلك الدول.
وفي مواجهة احتمالات الفتنة الناتجة عن الأزمات الاقتصادية، والتي تقوض المنطق الذي يقوم عليه وجود دولة خاصة لليهود، لا يجلس السياسيين الصهاينة بسلبية منتظرين الدعم الخارجي. فهم لديهم مصلحة في تشجيع الولايات المتحدة على تبني نهج عدائي تجاه المنطقة، ومن فهم يسعون لإحداث إضطراب في النظم الحاكمة، مما يجعل الولايات المتحدة تعتمد بشكل أكبر على كلب حراستها في المنطقة. ويفسر هذا الوضع التآلف الطبيعي بين الساسة الصهاينة والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، كما أنه يبين لماذا ينتهي الأمر دائماً بأكثر الاقسام ميلاً للسلام في داخل حزب العمل، إلى اتباع نفس هذه السياسات. فكلما كانت الفوضى أكبر، كلما زادت أهمية الجبروت العسكري الإسرائيلي في المساعدة على إخضاع المنطقة، وكلما أصبح أكثر احتمالاً أن تتلقى دولة إسرائيل المزيد من الدعم، وأن يتم اشباع الهدف الصهيوني بتحقيق مزيد من التوسع الإسرائيلي. كما أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة هي شرط اساسي لكي يقدم القادة الإسرائيليون أنفسهم لليهود في العالم باعتبارهم يعيشون تحت تهديد دائم، ومن ثم يحتاجون إلى عون مستمر.
وكان لهذا الوضع تأثيراً حتمياً في تحديد سلوكيات الطبقة العاملة الإسرائيلية. فالجماهير في إسرائيل، كما هي في الدول الصناعية المتقدمة الأخرى، يعملون ويستغَلون بواسطة أصحاب العمل. لكن في الحالة الإسرائيلية، فإن الدعم الذي يتلقونه من الإمبريالية الأمريكية عن طريقة الدولة الإسرائيلية، يعوض جرءأ من الاستغلال الواقع عليهم. لذلك فالعمال الإسرائيليون يتماهون مع الدولة وتواطؤها مع الإمبريالية، لأنه بدون هذا التواطؤ، فسوف يعيشون في مستوى أدنى من العمال في كافة دول منطقة الشرق الأوسط. إذاً، فالتماهي مع الدولة ضد الفلسطينيين له جذور مادية. وحتى أولئك الذين يقاسون أوضاعاً معيشية سيئة للغاية، يميلون إلى أن يروا المخرج في مزيد من التماهي مع الدولة وليس العكس. ولذلك نجد أن اليهود الذين هاجروا من مناطق أخرى في الشرق الأوسط إلى إسرائيل في الخمسينات والستينات يميلون إلى دعم أكثر الأحزاب الصهيونية يمينية، بالرغم من واقع أنهم في حالة معيشية أسوأ من الإسرائيليين الذين جاءوا من أوروبا.
وبهذا المعني، فهم يبدون مثلهم مثل العمال البيض في جنوب أفريقيا – حتى الأكثر فقراً منهم – قبل سقوط نظام الفصل العنصري.
لاحظ حاييم هانجبي وموشيه ماكوفروأكيفا أور في السبعينات أن "خبرة الخمسين عاماً لا تحوي مثالاً واحداً لقيام العمال الإسرائيليين بتعبئة أنفسهم دفاعاً عن مطالب مادية أو نقابية في مواجهة النظام الحاكم نفسه".
ولم تؤد التطورات التي حدثت منذ ذلك الحين إلى تغيير هذه النتيجة. فقد تراجعت دولة الرفاهة وتم تبني السياسات الليبرالية الجديدة في ظل حكم الليكود، وهو ما رفع معدلات البطالة إلى أكثر من 11% وأدى إلى تخفيض الإعانات. غير أن الأثر التراكمي للدعم الإمبريالي لا زال يعني أن العمال الإسرائيليين يتمتعون بمستويات معيشة أعلى من تلك الموجودة في فلسطين والدول العربية الأخرى. ومن ثم فإن الحد الأدنى للأجور في بداية عام 2004 كان 3335 شيكل جديد (أي 700 دولار شهرياً)، بينما كان الحد الأدنى للأجور في مصر المجاورة لإسرائيل 28,4 دولارا شهرياً. وتبين التحليلات التفصيلية أن المزايا المتعلقة بالرفاهة في إسرائيل تناظر المدى المتوسط لتلك المزايا في أوروبا. وبالرغم من أن هذه المزايا تواجه هجوماً وتقليصا، إلا أن استمرار تدفق الدعم يعني أنها لازالت في مستوى نظيرتها في الغرب، وليس مستوى مزايا العالم الثالث المتاح للفلسطينيين وأبنائهم ممن تم تهجيرهم عام 1948. لكن العمال الإسرائيليين يحصلون على هذا الدعم فقط بسبب الصفقات التي تعقدها حكومتهم مع الإمبريالية. ومن ثم فإن نضالاتهم ضد الهجوم الذي يتعرضون له فيما يتعلق بالأجور وظروف العمل وميزات الرفاهة، يتم دائما احتواؤها من قبل الدولة التي سرعان ما تلجأ إلى الإمبريالية في الأزمات الاقتصادية.
هناك تناقضات. هناك مصالح بيزنيس كبيرة في إسرائيل – مصالح مرتبطة بشكل متزايد بأمريكا الشمالية أو أحيانا برأس المال الأوروبي متعدد الجنسية الذي يرى المستقبل في اختراق سوق باقي دول الشرق الأوسط، ولديه من ثم مصلحة ما في السلام. غير أن تلك الضغوط في حد ذاتها لم تكن كافية لمنع الدولة الإسرائيلية من تبني سياسة عدوانية تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة أو ضد هذه الدولة أو تلك من دول الشرق الأوسط. كما أن تلك الضغوط لن تكون كافية كي تمنع ذلك في المستقبل أيضاً. فالشركات متعددة الجنسية تستثمر في إسرائيل لأنها تتطلع للهيمنة الإسرائيلية في المنطقة (ويجب إضافة أنها تستثمر في إسرائيل أيضاً بحثاً عن عقود السلاح المربحة). وما يربط بين هذه الشركات ورأس المال الإسرائيلي مصلحة مشتركة تتعلق بوجود دولة إسرائيلية ذات قدرة عسكرية تمكنها من ترهيب جيرانها عبر السلام المسلح – وهو ما يتطلب أن تتخذ إسرائيل صورة عدوانية بما فيه الكفاية لضمان التعبئة الجماهيرية الضرورية خلف الدولة.
وفي ظل هذه الأوضاع، فإن أولئك الذين يؤكدون على "حق دولة إسرائيل في الوجود" يدافعون عن دولة تعمل بالضرورة طوعاً باعتبارها أداة للإمبريالية وتتعامل بعدوانية ضد جيرانها.
ولعله يجب أن نكرر أن معارضة الدولة الإسرائيلية لا يعني الرغبة في رؤية السكان اليهود "ملقى بهم في البحر"، بنفس الطريقة التي كانت بها معارضة نظام دولة الفصل العنصري لا تعني الرغبة في استئصال السكان الأفريكانز الذين عاشوا في جنوب أفريقيا منذ 350 عاماً ولديهم بعض عناصر الهوية الوطنية الخاصة بهم (اللغة والأدب والمؤسسات الدينية وما إلى ذلك). كانت معارضة نظام الفصل العنصري تعني زوال دولة جنوب أفريقيا المرتكزة على قيام أحفاد المستوطنين باتباع سياسة تمييزية ضد السكان الأصليين. وبنفس الطريقة، تعني معارضة الدولة الإسرائيلية زوال دولة بنيت على الترحيل القسري للسكان الأصليين من أراضيهم، والتوسع المستمر في الأراضي المحتلة، وممارسة القمع الواسع والدموي ضد أولئك الذي يقاتلون الاحتلال والتوسع الاستيطاني، أو يقاتلون من أجل العودة إلى الأرض التي طُردت عائلاتهم منها.
هناك طريقتان افتراضيتان لتفكيك الدولة الاستيطانية، أولهما أن يقبل السكان الإسرائيليون حق عودة الفلسطينيين الذين طردوا من أراضيهم في عام 1948، وانهاء الاحتلال والمستوطنات في قطاع غزة والضفة الغربية. والطريقة الثانية هي تصفية إسرائيل لتحل محلها دولة واحدة ديمقراطية علمانية على فلسطين التاريخية بأكملها، ويتمتع كل سكانها بحقوق مواطنة متساوية. وعملياً، فإن الطريقين يؤديان إلى نفس المصير. فكما يصر الصهاينة دائماً، فسوف يؤدي "حق العودة" إلى تدمير منطق دولة الاستيطان بأكمله، عن طريق زوال المزايا التي كانت قاصرة على السكان من أصل يهودي، وهو ما سيفتح الباب أمام وجود دولة موحدة علمانية. ولهذا السبب فإن أقلية محدودة من النشطاء والمثقفين الإسرائيليين أصبحوا يقبلون أن البديل الوحيد لنمط القمع والاستيطان والحرب الراهن هو الدولة العلمانية.
ما هي القوة التي يمكن أن تحقق ذلك؟ إن صعوبة الطرح الوارد أعلاه تكمن في أن تحقيق هذا البديل لن يأتي من داخل إسرائيل. فطالما ظلت الدولة الصهيونية تبدو قوية بما فيه الكفاية لكي تستمر في تلقي الدعم من الإمبريالية كي تقدم المنافع للسكان اليهود، حتى أولئك الأكثر فقراً، بما يجعلهم في وضع أفضل من الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية ومعسكرات اللاجئين في الأردن ولبنان، فسيظل غالبية اليهود مرتبطين بدولتهم. ويمكن لدولة إسرائيل أن تضعف بفعل الصراع الطبقي الداخلي، لكن ذلك في حد ذاته لن يكون كافياً لتحطيم الدولة بسياساتها العدوانية وسعيها للعمل لمصلحة الإمبريالية. فهي تضعف عندما تتمرد أقسام من الشباب الإسرائيليين ضد الخدمة العسكرية في ظل الاحتلال المستمر والحروب المتكررة. وفي هذه العملية، فسوف يبدأ بعضهم على الأقل في رؤية حقيقة ما قاد إليه الحلم الصهيوني.
لكن تطور ذلك على أي مدى يعتمد على فقدان إسرائيل القدرة على شن حروب لا تكلف شيئاً في الواقع، سواء من الناحية المالية (بسبب الدعم الأمريكي) أو من ناحية خسائر الأرواح. بمعنى آخر، يتوقف الأمر على تكبد إسرائيل لهزيمة عسكرية هائلة، حيث أن مثل هذه الهزيمة هي وحدها القادرة على إحداث صدمة داخل إسرائيل، ودفع عدد كبير من الأشخاص إلى رؤية أن هناك طريقاً وحيداً أمامهم – هو القطيعة التامة مع الرؤية الصهيونية حول إقامة دولة نقية العرق – وجعل الطبقة الحاكمة الأمريكية تتساءل عن جدوى الاستمرار في تقديم المساعدات لإسرائيل.
وكما طرح هانجبيوماكوفر وأور قبل 30 عاماً، فإن المساهمة في النضال الداخلي في المجتمع الإسرائيلي، بما في ذلك النضال العمالي، "يجب أن تكون خاضعة لاستراتيجية عامة حول النضال ضد الصهيونية". ولازالت هذه الخلاصة صالحة حتى يومنا هذا. وهؤلاء الذين لا يستطيعوا رؤية ذلك ويتخذون موقف "لا هذا ولا ذاك" تجاه حرب مثل التي حدثت في لبنان، ويوافقون على قداسة الحدود الإسرائيلية، يضعفون النضال ضد الإمبريالية والصهيونية، مهما كانت دوافعهم طيبة.
لكن كسر الهيمنة الصهيونية على الأغلبية العظمى من السكان الإسرائيليين يظل أملاً بعيداً. فقد كانت هزيمة إسرائيل في لبنان مجرد هزيمة جزئية يتوقع القادة الإسرائيليون، بل وغالبية السكان الإسرائيليين، ردها. لذلك فإنه من قبيل الإفراط في التفاؤل أن نتوقع كما يرى البعض أن: "كل التطورات الأخيرة قد فتحت النافذة لإمكانية أن نرى ومضة لفرصة تحقيق تسوية شاملة للنزاع الذي امتد لنحو قرن من الزمن والذي يمثل أساس الحرب الأخيرة. والآن، حيث أن خيار استمرار الوضع الراهن لم يعد ممكنا، يمكننا أن نرى لحظة انبثاق فريدريك ديكليرك في إسرائيل (ووسط الداعمين الدوليين الذين لا يمكن الاستغناء عنهم).
الحقيقة أن حدوث "انطلاقة ثورية في العالم العربي" يظل هو الشرط المسبق لخلق نوع التحدي الذي يؤدي إلى انهيار الصهيونية. لكن ذلك لم يحدث بعد.
أثر الانتصار
حقق حزب الله أنتصار ملموساً في الصيف الماضي، وهو ما قلل من جحم إدعاءات القوة الإسرائيلية ومن ثم أعطى دفعة لكل القوى الراغبة في إحداث تغيير جذري في الشرق الأوسط. غير أن حزب الله لا يمكنه أن يكون الأداة السياسية من أجل إحداث هذه التغيير. ولا يعود ذلك إلى المفاهيم الدينية التي يتبناها، ولكن لأنه يوجد خلف هذه المفاهيم اعتماد على قوى طبقية لا يمكننا أن تسير إلى أبعد من نقطة معينة في المواجهة مع الإمبريالية وإسرائيل. ويجب أن نقول هنا مراراً وتكراراً أن النصر ضد الإمبريالية في أي بلد لا يمكن أن يتحقق ببساطة عبر نضال يقتصر على هذا البلد وحده، وأن الانتصار على الصهيونية لا يمكن أن يحدث ببساطة عبر نضال يقتصر على فلسطين. فالمطلوب هو انطلاقة في بلد واحد يمكن أن تطلق العنان لعملية ثورية في المنطقة كلها. وسوف يساهم انتصار حزب الله في ذلك طالما أنه يفتح طريق الرؤى المتفائلة بشأن الممكن، مثلماً أغرقت هزيمة 1967 النشطاء في المنطقة في اكتئاب تشاؤمي.
ربما يؤدي انتصار حزب الله إلى تزايد جاذبية أشكال النزوع الإسلامي على المدى القصير. لكن يمكن أن يحدث أيضا تحول مهم فيما يتعلق بالرؤى الإسلامية ذات الشعبية. فقد شجعت هزائم الماضي على سيادة رؤية ضيقة للإسلام، عززت من التدين التطهري من ناحية، والأشكال النخبوية من العمل الفردي على النمط الجهادي ناحية أخرى. وإزاء فشل هذا الخيار بشكل بائس مثلما حدث في مصر والجزائر، سقط عديد من النشطاء في هوة أشكال مستأنسة من الإصلاحية الدينية. كما أن التشديد على التطهرية الدينية أدى إلى وضع أولئك الذين يتبنون تأويلا معيناً للدين ضد من يتبنون تأويلاً آخر – لا يقتصر الأمر هنا على وضع الإسلام في مواجهة الأديان الأخرى، ولكن أيضاً على وضع السنة في مواجهة الشيعة. ويمكن أن تلعب الإمبريالية وعملائها على هذه الانقسامات، كما هو الوضع في باكستان، وفي العراق وإن كان بشكل أكثر دموية، كما يمكن أن يستفيد من تلك الانقسامات أيضاً الانتهازيون الذي يرغبون في إيجاد قاعدة لهم في عالم السياسة.
سوف يعمل انتصار حزب على خلفيةثلاثة توجهات. فسوف يؤخذ نموذج حزب الله باعتباره دليلاً على إمكانية إنشاء التحالفات التي تتجاوز الحدود الدينية. وبالفعل تشعر الأنظمة العربية الآن بالقلق إزاء تأثير النصر الذي حققه حزب الله على الغالبية السنية من السكان. لكن المسألة تتجاوز ذلك. فالانتصارات توسع من أفق الشعوب. فهي تجعلها ترى إمكانات لم تكن قد تصورتها أبداً من قبل. والأمثلة المناهضة للإمبريالية في مناطق أخرى من العالم – كمظاهرات مناهضة الحرب في أوروبا والولايات المتحدة، وسحب هوجوشافيز السفير الفنزويلي في إسرائيل – يمكن أن تفتح عقول الناس ليروا أن لديهم حلفاء غير مسلمين، كما أن لهم أعداء مسلمين يتمثلون في النظم العربية الحاكمة.
وفي كل هذا، يجدر بنا أن نكرر آلاف المرات أن أساليب حزب الله هي عكس أساليب القاعدة. ولا يرجع ذلك إلى أن دعاية حزب الله ترفض عمليات زرع القنابل التي تقتل المدنيين في الدول الغربية ودول العالم الثالث، ولكن أيضاً إلى كون النجاحات العسكرية التي حققها اعتمدت على عمل الحزب بين الجماهير. على أن حدود حزب الله تكمن في أنه لا يرى أن هناك حاجة للعمل الجماهيري بين الشعوب التي تعاني من الإمبريالية وحلفائها من الرأسماليين المحليين في البلدان الأخرى في العالم العربي – أي العمال والفلاحين في مصر وسوريا والأردن وباقي المناطق. غير أن هذا النصر، أي نصر حزب الله، سوف يجعل الأمر أكثر سهولة بالنسبة لأولئك الذين يرون تلك الحقيقة في جذب أنصار، بما فيهم بعض الذين يتبنون مفاهيم إسلامية معينة.
ماذا بعد بالنسبة للولايات المتحدة؟
إن الوضع الحالي خطير بالنسبة للإمبريالية الأمريكية بشكل عام وإدارة بوش بشكل خاص. فالضربة التي استهدفت تدمير حزب الله وإضعاف سوريا وإيران جاءت بأثر عكسي. فحتى قبل اتضاح نتائج حرب الـ33 يوماً، حذر المعهد الملكي للشئون الدولية ذو المكانة العالية، من أن إيران كانت الرابح الأعظم في الكارثة العراقية: "ليس هناك شك كبير في أن إيران هي المستفيد الرئيسي من الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، بمساندة دول التحالف، أزالوا إثنين من حكومات المنطقة المعادية لإيران – حركة طالبان في أفغانستان في نوفمبر 2001، ونظام صدام حسين في العراق في إبريل 2003 – ولكنهم فشلوا في إستبدالهماببنى سياسية متماسكة ومستقرة."
تعتبر إيران أن العراق هي الخلفية الجنوبية لها، ويتجاوز تأثيرها على العراق تأثير الولايات المتحدة. ويعطي ذلك إيران دوراً رئيسياً في مستقبل العراق. كما أن إيران لديها وجوداً بارزاً وصلات اجتماعية قوية في أفغانستان، جارتها الأخرى الممزقة بالحرب.
والآن، تزايت مكانة حزب الله بشكل هائل. وفي الواقع، أُجبرت الأنظمة العربية التي كانت ترغب في رؤية حزب الله مهزوماً، أن تظهر موقفاً معاكساً، علىالأقل لفظياً، وتشيد بقدرة الحزب على قتال الإسرائيليين.
كيف سيكون رد الفعل الأمريكي الآن؟
إن رد الفعل الأمريكي الأقل احتمالاً هو القبول بمنطق الهزيمة وسماع نصائح البعض مثل المعهد الملكي للشئون الدولية الذي يدعو الولايات المتحدة إلى قبول القوة الإيرانية والتعامل معها: "إن إيران في وضع قوة إقليمية، وهناك حاجة للتعاون معها والاستفادة من تأثيرها الإيجابي من أجل تهدئة النيران المشتعلة حالياً.. إن حل الأزمات العديدة للمنطقة يتطلب جزئياً تطوير علاقة إيران بالغرب عبر دبلوماسية حذرة وصبورة على الجانبين. ويتم تصوير إيران باستمرار باعتبارها مراوغة وتسهم في تأجيج العنف في الشرق الأوسط الواسع. إن النظام الإيراني حذر من تعميم الفوضى في المنطقة، لإن هذا النظام هو في أساسة محافظ ويسعى إلى الحفاظ على الوضع الراهن."
وعملياً يعني ذلك أن يكرر بوش سابقة زيارة ريتشارد نيكسون للصين في 1972 بعد أن بات واضحاً استحالة انتصار أمريكا في فيتنام – بهدف عمل صفقة مع قوة إقليمية صُورت في السابق باعتبارها مصدر الشر.
لكن لا توجد دلائل على أن إدارة بوش تنوي اتباع نفس النهج. حيث أنها تراهن بقوة على قدرتها على تقوية الهيمنة الأمريكية على العالم والحفاظ عليها عبر مشروع "القرن الجديد". وهي تخاف أن أية صفقة مع إيران لن تقوم فقط بتهديد هذا الطموح، وإنما أيضاً بتقليص النفوذ الأمريكي. وسوف يشجع نجاح قوة متوسطة ضعيفة نوعاً ما مثل إيران في أن تفرض على الولايات المتحدة تغيير سياستها.. سوف يشجع دولاً أخرى على اتباع نفس طريق التحدي.
ويعد الخلاف الوحيد بين معسكر بوش والتيار النقدي الأساسي لهذا المعسكر هو أن الأخير يرى أن الولايات المتحدة يجب أن تبني جسور التعاون مع "أوروبا القديمة" وروسيا من أجل الضغط على إيران وإجبارها على الاستسلام رمزياً عن طريق التخلي عن برنامجها النووي. فكما يقول توماس فريدمان، الصحفي المؤيد للإمبريالية وقت ذروة حرب لبنان: "لكن على الإدارة الآن أن تقر بما يجب أن يقر به أي شخص – بما فيهم أنا – يؤمن بأهمية أن يتحسن الوضع في العراق، وهو أن هذا الوضع لا يتحسن، ولا يمكننا أن نلقي بحياة الناس الطيبين الواحد تلو الآخر.. لكن ثاني أفضل الحلول هو أن نترك العراق. لأن الخيار الأسوأ – والذي تحبه إيران – هو أن نبقى في العراق، ننزف، وفي مدى يمكُن إيران من ضربنا إذا ما ضربنا مفاعلاتها النووية.. نحن نحتاج للتعامل مع إيران وسوريا، ولكن من موقع قوة – وهو ما يتطلب تحالفاً واسعاً. كلما احتفظنا بالاستراتيجية الأحادية الفاشلة، كلما كان أصعب بالنسبة لنا بناء مثل هذا التحالف."
لكن التوصل إلى حل وسط مع أوروبا القديمة وروسيا (ناهيك عن الصين) هو أمر صعب. فالدافع وراء الحرب على العراق لم يكن مجرد السيطرة على النفط العراقي لصالح شركات النفط الأمريكية، ولكن كان قبل كل شئ وضع نهاية لما رآه المحافظون الجدد الطبيعة المائعة للاستراتيجية الأمريكية الكونية في التسعينيات، وذلك بهدف الهيمنة على أهم المواد الخام في العالم، وهو النفط، حتى تكون الولايات المتحدة قادرة على السيطرة على القوى العظمى الأخرى لتأمين "القرن الأمريكي الجديد".
وحتى لو أصبحت الإدراة الأمريكية مجبرة على إجراء مساومات كاملة مع أروربا وروسيا والصين، فإنها سوف تحاول قبل ذلك أن تؤكد قوتها. ومن ثم فإن شن هجوم جديد على الشرق الأوسط لن يكون فقط ممكنا، لكنه سيكون مرجحاً.
إن الحرب الإسرائيلية على لبنان كانت من وجهة نظر الإدارة الأمريكية انعطافة استهدفت تسهيل إهانة إيران. لكن الانعطافة تحولت إلى طريق مسدود. والآن، سوف تتجه غرائز إدارة بوش إلى السير في الطريق الرئيسي للقيام بهجوم من نوع ما ضد إيران. لكن مشكلتها هي أن ذلك الطريق هو طريق وعر، مليء بالحفر العميقة التي يمكن أن تأخذ هذه المحاولات إلى الهاوية – وهذه الحفر العميقة هي سيطرة الشيعة على جنوب العراق، والثقة والقوة المتزايدة لحلفاء إيران في لبنان، والتعاطف الجارف عبر العالم الإسلامي تجاه أولئك الحلفاء باعتبارهم القوة الوحيدة خلال 58 سنة التي استطاعت ضرب الجيش الإسرائيلي.
ويحذر المعهد الملكي للشئون الدولية من أنه: "هناك إمكانية حقيقية جداً لأنه في حالة قيام الولايات المتحدة بالهجوم على إيران، فإن الأخيرة سوف تلحق بها هزيمة ساحقة في العراق، وستشعل الحرب على الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها. وحتى الآن، فإن القوى متعددة الجنسية في العراق تكافح من أجل التأثير على التطورات السياسية في منطقة جنوب ووسط الفرات، مناطق الأغلبية الشيعية، بينما لا يزال تمرد العرب السنة يحظى بوجود قاتل يوقع الخسائر الكارثية في صفوف قوات الأمن العراقية الوليدة وداعميها من الأمريكيين. ويمكن أن يصبح هذا الوضع أكثر خطورة في حالة التدخل الإيراني، إلى الحد الذي يجبر التحالف على الرحيل عن العراق، تاركا أيران لا باعتبارها القوة المهيمنة التي لا يمكن إنكارها في العراق فحسب، ولكن أيضاً باعتبارها العنصر المسيطر في الخليج بلا منازع."
إن ما نشهده الآن هو إزمة حادة بالنسبة للإمبريالية الأمريكية التي تواجه خيارين كلاهما مر، الأول هو الانسحاب في ظل المأزقين العراقي واللبناني، ولكن ذلك يعني الإقرار بأن التوجه نحو الحرب "بلا نهاية" من أجل الهيمنة الأمريكية التي لا ينازعها أحد قد فشل. ويترتب على ذلك تحمل العواقب المرتبطة بخسارة نفوذ المحافظين الجدد في الداخل، وعجز الولايات المتحدة عن أن تمد نفوذها إلى الخارج. والخيار الثاني هو الرهان بقوة على شن هجوم على إيران، أو على الأقل، شن إسرائيل هجوم آخر على لبنان. ورغم المخاطر الكبيرة لهذا الطريق، إلا أنه يبقى الطريق المرجح أن تسير فيه الولايات المتحدة.
إن الحيوان الجريج هو حيوان خطير، وربما من الممكن أنه قبل أن يق

